" صراعاتنا؛ حروبنا؛ أحزاننا؛ بؤسٌ تملكنا؛ ظلامٌ سكن جوفنا؛ هي ما تولّد طباعنا وشخصنا الذي نتعايش بهِ في الحياة، هي ما يولد كينونة الأشياء، هي ما ترسم باحترافية صنعها الخالق خبايا أفكارنا، أرواحنا، وهي ما تعكس أحلامنا، آمالنا، فحياتنا لابدّ من أن تحمل بؤساً ليقابله فرحاً، لابدّ ان تُذرف دموعاً لتجففها ريحُ تشبعت أملاً، لابدّ أن تُغلق بعض الأبواب في وجوهنا لنتعلم كيف نجد درباً نفتح بهِ نافذةٍ يشعّ من خلفها وهجاً ..
وكل هذا تحت مسمى عدم التخاذل و الاستمرار بمواكبةِ الحياة؛ مهما كانت نتائج أفعالنا؛ مهما فقدنا من حياتنا؛ مهما خسرنا؛ لابدّ أن ننتصر؛ لابدّ أن تشعّ شمسُ التفاؤل في قلوبنا؛ لابد من لملمةِ شتاتِ أرواحنا التي فرقتها أعاصيرُ الحياة لابـــــد من الاستمرار !! "
بقيت تلك الكلمات ترنّ في أذني مستمعها وكأنه همسٌ يداعب روحها الجريحة؛ فتحت عينيها لتنظر لِمن جلس بوقار على كرسيٍ متحرك ووثير أمامها، انسلّت ضحكةٌ خاملة على شفتيها الوردية لتقول بصوتٍ واهن : وهلْ هُنـــاكَ أملٌ لي في هذهِ الحياة ؟
استحوذت كلماتُ تلك الطفلة الحزينة انتباه قارِئ الكلمات المبهمة؛ ليتوقف عن تحريك الكرسيّ المتحرك، ويغلق الكتاب الذي احتوته يداه، رسم ابتسامةٌ واثقة على شفتيه ليقول : وهل هُناك غير الأمل الذي نعيش من أجله يا حلوتي ؟
زمّت الطفلة شفتيها لتنطق ببرود : لا أمل لِمن فقد كل ألوان الحياة !
- خطأ؛ بل قولي لا حياة لمن فقد لذّة الأمل، والأمل باقٍ في قلوبٍ تسعى لهدفِها !
- وما هوَ هدفُ فراشةٌ تقطعت أجنحتها التي بدأت للتوّ تُشفى ؟!
- ولمَ لا يكون الانتقام؟
توسعت عينيها على وقعِ تلك الكلمة، لترفع رأسها لمحدثها الذي بانت لنا بعضاً من ملامحه الناعمة، فيردف بجديّة : لديكِ عدّة اشياء تنتقمين لها؛ وعدّة أشخاص تنتقمين منهم، لكن هذا كلّه من أجلِ أن تجدي غايتكِ؛ غايتكِ يا ريلينا، ماهيَ غايتكِ ؟؟
بقيت تلكَ الطفلة ذات الحادية عشر من عمرها تنظر لمحدثها؛ فاغرةً فاهها وعلامات الاستنكار تحوم حول رأسها، لتقول بعد فترةٍ وجيزة وقد استدركت غاية ذلك الكلام : العثور على من أبعد عنّي والدتي، ومن أحرق مبنى الميتم، العثور على مَن هدمَ لي حياتي.
بابتسامة أيّد فتاتنا المشتعلة غضباً : ولكلِ غايةٍ وسيلة؛ فلا تنسي أن الغاية تبرر الوسيلة.
انتفضت ريلينا بعزمٍ كبير لتقول : أجــل؛ سأنتقم منهم جميعاً، سأعثر على خيطٍ يرشدني لما حدث لأمي، سيندمون جميعهم ..
ضحكةٌ خفيفة زلزلت ثقة طفلتنا بخيالها الجامح، ليقترب مُطلقها من فراشتنا ويضع يده اليمنى على كتفها الصغير لينحني حتى وصل الى مستوى ريلينا، فتظهر لنا ملامح الشخص الأنثوية الحادة، بعينيها البنيّة وشعرها الأسود القصير يداعب رقبتها، فتقول بابتسامة : رويدكِ يا صغيرة، لفعلِ هذا يجب أن تكوني قويّة، هل أنتِ كذلك ؟
- أجل أنا قويّة، وسأكون أقوى .. ســأكون أقوى منهم جميعاً ..
- رويدكِ يا فتاة، لا تقولي كلمة " جميعاً " فبهذا أنتِ تعنين كل البشر من حولكِ، لتنالي مرادكِ يجب أن تركزي قواكِ على نقطةٍ واحدة، يجب أن تتحيّني اللحظة المناسبة لإطلاقِ سهم انتقامكِ، ومن أجل هذا يجب أن تكوني ماكرة بقدرِ ما تكوني قوية .. ريلينا بيسكرافت، ستكونين تلميذتي اعتباراً من اليوم.. ولكن لكلّ شيءٍ ثمن؛ فهل أنتِ مستعدة لتسديده ؟؟
أتاها ردها مصاحباً لنظراتٍ تشعّ عزماً : بالتأكيد.
؛
شقّت شفتيها ابتسامة خاملة وهي تستذكر تلكَ اللحظات خلال خلوتها مع نفسها التي حصلت عليها اثناء طريقها القصير الذي اتخذته سيراً على الأقدام .. متجهة صوبَ منزلٍ خلّاب بمكان شبه معزول .. اتسعت ابتسامتها وهي تعلم يقيناً بغاية صاحب هذا المنزل .. هو أيضاً يحبّ أن يحضى بخلوةٍ له بعيداً عن صخب حياته وما صاحبته من تراكمات خلال الأشهر الماضية.
أبت أن تنصاع للذكريات الأليمة التي تصاحب ذكرى تلكَ ( الأشهر ) فلم تختفي الابتسامة عن شفتيها ولم يخبو بريقها حتى .. بل شعّ الإصرار اللذيذ من نظراتها التي التصقت بإعجابٍ واضح بأنحاء المكان.
خطواتٍ أخرى اتخذتها نحوَ المنزل هامسة في خلدها بإصرار : حسناً يا ميريديث .. أو سيرينا أو أيّا كان اسمكِ .. حان وقت تسديدي للثمن.
~
طرقاتٌ منتظمة كسرت الصمت الذي التحف بأرجاء المكان .. ليصحبه من بعدها خطواتٍ متسارعة بأنفاس ممتزجة مع ضحكاتٍ خفيفة وصلت مسمع ريلينا وهي تقف بصبر خارج المنزل.
ما هي إلّا لحظاتٍ حتى فُتح الباب على مصراعيه لتطالعها إمرأة .. بابتسامةٍ واسعة أظهرت صفّ أسنانٍ لؤلؤيّة .. ارتفعت نظراتها نحوَ عيني من استقبلتها بتلكَ الابتسامة لترى كلّ معاني الحبور متجسدة في مقلتين بلّوريّتين .. للوهلة الأولى ذكرتها تلكَ العينان بشخصٍ تمقته للغاية .. لكنّها نّحت الفكرة سريعاً قبل أن تجد نفسها بين أحضانِ جسدٍ نحيل ..
اتسعت عيناها دهشةً من ردّ فعل من استقبلتها لتسمع من بعدها تمتماتٍ غريبة بدت وكأنها صلاةٍ أدتها تحمد الله على ما تراه الان .. ابتعدت تلكَ المرأة عنها لتغمرها بنظراتٍ ملؤها الحنان لامست شغاف قلبَ ريلينا وجعلتها تقع بحبّها منذ اللحظة الأولى ..
- آه ... يبدو أنني قد أخطأت بالعنوان .. أليسَ هذا منزل ليونادرو ؟
تعالت ضحكات المرأة التي لم تتركها بعد لتدخلها للمنزل وقد تكلمت للمرة الأولى حينَ هتفت : بالتأكيد هوَ كذلك عزيزتي .. آه لا تعلمين كم كنت متشوّقة لرؤيتكِ .. ( تحوّلت نظراتها لشيء من الأسف وكأنها قد وعت على شيءٍ مهم ) اعذريني على هذا الاستقبال الغريب من شخصٍ لم تعرفيه ولكنني لم أتمالك نفسي.
رمشت ريلينا بعينيها وهي تنظر لها مطوّلاً علها تتعرف عليها أكثر ليخطر على بالها بعضُ الهمسات التي تداخلت بوعيها - الغائب عن الوعي - أثناء زيارات ليوناردو لها بالمصحّ العقلي .. شيءٌ ما يخصُّ إمرأةٍ يحبّها كانت بحالةٍ سيئة وتحسنت بعدَ صبرٍ طويل منه ... التمع الإدراك بنظراتها لتحاول قول شيءٍ قبلَ أن تسمع شهقةً من الخلف ... التفتت لترى اخيها يقف عند باب المنزل وبيده هاتفه وكأنه كان يتحدث مع أحدهم خارج المنزل ... ثوانٍ من الصمت قد مرّت وأخاها يتشبّع من الحقيقة التي أمامه وقد تقلّدت بأخته ... واقفة في بهوِ منزله ... ( تبتسم باستنكار ) ونظراتها مليئة بالفضول والـــ ... استمتاع ؟!
- لقد عادت !!
هتفَ لمن يكلّمه على الهاتف ليردف قبل أن يغلق الهاتف : لقد عادت ريلينا نيكولاي ... خطّة تلكَ الماكرة قد أفلحت !!
لم تحاول أن تسأل عن ما قَصَدَه قبل أن تجد نفسها .. وللمرة الثانية .. غارقة في حضنٍ مليءٍ بالشوق والعتاب والفرح العامر ..
هذهِ المرة هي من ضحكت باستغراب لتقول وهي تبادل أخيها الأحتضان : حسناً حسناً .. يبدو أنَ الجميع كريمٌ معي بإبداء عاطفته نحوي هذا اليوم ...
ضربها على كتفها بقوّة قبل أن يهمس متوعدّا : ما هذهِ سوى المقبلات قبل أن تبدأ الوجبة الرئيسية لتعنيفكِ على ما فعلتهِ بي طوال تلكَ الأشهر.
تنفسّت عبق ريحه الذي دوماً ما يريحها .. لتغمر نفسها في أحضانه أكثر فتجيبه ممازحة : لا أعتقد أن هذهِ الحسناء قد توافقكَ على ما تنتوي فعله .. يجب أن ترى كيف ترمقكَ الآن بتوعّد.
قهقه مستمتعاً وقد وعى على وجود ( الحسناء ) خلفه .. ليستدير ويرى أن نوين ( بالفعل ) تمرقه شزراً قبلَ أن تتوعده بهتافٍ حاد : ألمس شعرةٌ واحدةٌ منها وسترى الويل.
ازدادت ضحكاته علواً ليلتفت لريلينا المستمتعه بهذا المشهد الغريب والـ ( حميم ) الذي تعيشه الآن .. فيعود ويحتضن أخته من جديد وكأنه لا يقوى على فراقها لحظة واحدة .. قبلَ أن يهمس بتهكم مصطنع : لم يمضِ على عودتكِ دقائق قليلة حتى عدّت بالمصائب يا فتاة .. ماذا أفعل معكِ أخبريني !!
اجابته بين أحضانه التي لم يبدُ عليها ممانعتها لها : حسناً.. يمكنكَ أن تبدأ بإخباري بهويّة التي هددّتك قبل لحظات .. ونجت بفعلتها !