بقي يحتويها كأمٍّ تحمي رضيعها مِن بردِ الشتاء القارص, ينظر يمنة ويسرة بينَ حينٍ وآخر وعيناه تجدح كلّ من ينظر إليهما بطريقةٍ فضوليّة ..
وصلَ أخيراً إلى فندقٍ بعيد عن المكان الذي تركَ فيهِ آدآل .. بعد أن إتّصل بتيريز كي يرسل لهُ رجالٌ يصفّون أموره هُناك ..
وضعها على الفراش البسيط ليراها تتنفّس ببطيْ شديد, وقد وصلت – لشدّة رعبها السابق – إلى حالةٍ من الإنفصال عن الوعي ..
علمَ أن عقلها يستريح من هولِ الاحداث التي مرّت بها, فسمح لها بأن ترتاح دونَ أن يوقضها مِن غفوتها إلى عالمٍ ورديّ سكنتهُ أحلامها ..
رسمَ شبحُ ابتسامة على شفتيه وهوَ يشعر بالاطمئان عليها, سُرعان ما تلاشت وعيناه تجول على باقي أنحاء جسدها الجريح .. لم يحتمل الأمر أكثر مِن هذا .. خرج مسرعاً صافقاً الباب - خلفه - بقوّة غير آبه لو كانت ستستيقظ على إثرها أم لا ..
بعد نصف ساعة عاد للشقّة محمّلاً بعدّة أكياس .. أوّل ما أخرجه هوَ فستانٌ أسود اللون فضفاض, يكاد يكون أكبر من حجمها ولكنّه يحمل رونقاً جميلاً .. نظر إليها بطريقةٍ غريبة ليشتم في نفسه ويهمس بانزعاج : والان كيفَ سنغيّر ثيابها ..؟!
نظرَ إلى بابِ الغرفة مفكّراً بأنه قد يطلب مساعدة إحدى العاملات في الفندق, ولكنّه لا ينقصه نظراتٌ تساؤلية أخرى, غير التي رأها من مالك الفندق وهوَ ينظر إلى ريلينا بصدمةٍ كبيرة .. صدمة جعلت هيرو يدفع لهُ أضعاف المبلغ الذي يطلبه منه كي يلزم الصمت قائلاً بهمسٍ محذّر : إيّاكَ والتكلم وإلا كان هذا آخر يومٍ في حياتك المشؤومة.
حرّك رأسه يميناً ويساراً بسرعة لينفض أفكاره السابقة وينظر إليها بعزمٍ غريب, دخل للحمام وخرجَ بعدَ لحظات محمّلاً بوعاءٍ كبير بعضَ الشيء, وضع فيهِ مياهً نظيفة .. وبدأ بعملية تنظيف الدماء مِن على جسدها .. وكلّما شعرَ بأنه يكاد يمسك جزءاً محرّماً عليه مسكه يجفل ويهمس : أعتذر ..
لكنه سرعان ما يضحك على نفسهِ وهوَ يراها مسدلة العينين .. سخر من نفسه قائلاً : أنظروا من يعتذر ؟! وعلى ماذا !! سحقا لكِ يا مشكلتي الطائرة !
بعدَ لحظات كانَ يجلس على طرفِ الفراش قريباً منها بشدّة, قريباً لدرجة أنه يشعر بأنفاسها البطيئة تداعب وجههُ المكفهرّ ..قطبّ حاجبيه ليرفع أنامله ويمسّد برفق على وجنتيها وكلّ وجهها, لم يتمالك نفسهُ أكثر فقّرب شفتيه من جبهتها وطبعَ عليها قبله ناعمة , لم يبتعد عنها, بل وضع يده على وجنتها اليمنى وأنفاسه تتلاعب بوجهها ذو الملامح المستكينة, ليهمس من جديد : هل ستغفري لي فعلتي معكِ يا فراشتي؟ هل ستغفري لفارسكِ المنقذ على خيانتكِ ؟!
حالما نطقَ كلمة خيانة حتى تسارعت كلمات تيريز إلى خلده, من ما جعله يبتعد عنها بسرعة وكأنّه ممسوس, إرتجفت مقلتيه ليصحو عقله بعدَ أن دخل بغفوةٍ قسرية بحكمِ قلبه الذي ضجّ بمشاعرَ عديدة حين رآها على وشكِ الموت ..
رفعَ يديه إلى مستوى نظره ليعي ما فعله قبل لحظات .. لم يكن هذا ضمن الخطّة التي نسجتها أفكاره الشيطانيّة .. عاد ذاك الشيطان الأسود يتوغّل إلى روحه وتحت مسامات جلده ..
وضع يديه على رأسه بقوّة وكأنه يصارع ألماً جديداً يفتك بجمجمتهِ حينها, ليفتح عيناه بعدَ لحظات وينظر إليها بذاتِ الحقد الذي كان يرمقه بها حينَ رآها لأوّل مرةٍ بعد اتّصال تيريز لهُ ...
إصطكّت أسنانه لهمس بتوعّد : إنتهت المسرحية الهزيلة التي كنتُ أنا بطلها قبلَ لحظات .. وستعود الدماء تتضرجّ المسرح مِن جديد .. وعدي لكِ يا فراشتي قائم .. وعدتكِ أنّكِ لن تموتي سوى على يديّ .. ووعدي هذا أنتِ من رحّبَ بهِ قبل حين .. وسيتمَ تنفيذه بعدَ حينٍ قريب.
ما إن أنهى جملته تلك حتى شعرَ بها تتحرّك ببطيء, ليراها تفتحُ عينيها ويخرجُ من كهفِ الظلمات تلكَ الزبرّجديّتين اللاتي كانتا دوماً ما تفقده صوابه .. دوماً ما تبعثر كيانه وتشتّت تفكيره وتهيم بها روحه ..
روحهُ الجريحة والمظلمة الآن، كادت أن تفقد لجام سيطرتها من جديد .. ولكنّ تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن .. عادَ البرود يكتنف ملامح وجهه ليراها تُحَرِّك عيناها بصمت دونَ أن تتكلم ..
عادت براكينه الشيطانيّة تهتاج, وعادَ هيرو يوي المُنتقم يعلو سطحَ أفكاره ويهيمن عليها .. ويسجن قلبهُ العاشق في لجّةِ الظلمات!