بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمه الله وبركاته
أنتقل بكم في هذا الموضوع إلى أزهر عهد من عهود الحضاره الإسلاميه , إلى ذروه أمجاد العرب .
إلى المدينه التي شهدت من الترف و البذخ , و العظمه و الجلال ,ما لم تشهد مثله مدينه , لا روما في الماضي و لا باريس الأن , المدينه التي كان فيها مليونان من البشر منذ ألف و مئتي سنه . حين كانت أميركا صحراء ما فيها إلا الوحوش . . . كانت فيها القصور التي تفنن ببناءها و إبهاءها , وزخارفها و نقوشها , و شرفاتها و قبابها , وفيها البساتين التي جلبت إليها غرائب الأشجار , ونوادر الأزهار , من كل مكان .
فيها سته آلاف حمام , و فيها عشرون ألف مسجد , وفي نهرها ثلاثون ألف زورق , تميس على صفحه الماء كل عشيه فيكون منها مجالس علم , و يكون منها مجالس الطرب , ويكون منها مخادع الغرام , و يكون منها خلوات تأمل , وكان فيها (في تلك الأيام ) معامل تصنع الورق , وتضرب النقود , و تنسج أنواع النسيج و تطرز و تنقش . و فيها من الإختراعات التي ادهشت أهل أوروبا لما حملته تلك الوفود الإسلاميه .
مدينه كانت دنيا كامله , فيها الخير و الشر . العلم فيها , و فيها الفسوق . و الدين فيها , وفيها اللهو و المجون , وفيها الصالحون , وفيها الشعراء و المغنون , وفيها أفحش الغنى , و فيها أفظع الفقر , و فيها التجار و فيها الشطار , وفيها اللصوص, ولكل عالم لاتدري به عوالمها الأخرى .
تلك هي بغداد . بغداد هارون الرشيد , بغداد ألف ليله و ليله , بغداد التي صارت حلما من الأحلام .
كانت قصه الأرض , و كانت أمل كل طامح في المجد , راغب في العلم , آمل بالغنى , هائم بالجمال.
*******
لقد شارفنا على بغداد بعد رحله طويله ,فماذا فيها ؟ ما هذه الحشود ؟ لما كل هؤلاء الجنود ؟ ما هذه الاعلام و البنود ؟ لماذا يفرش السجاد على الأرض ؟
تعالو لنسأل :
-ما هذا ياعم؟
_ألا تدري إنه وفد ملك الروم .. لقد صف أمير المؤمنين على طريقه مئه و ثمانين ألفا بثياب واحده وهيئه واحده , سيوفهم مشهره , وهم متسربلون بالحديد , وفرش لهم ثمانيه و عشرين ألف سجاده , وأقام لهم ألف ستاره من الدييباج و الحرير , وترى إذا حل الليل سلسله من المصابيح العجيبه طولها أربعه فراسخ . وصف لهم في مدخل القصر , الوحوش المدربه من السباع و الفهود لتحييهم . أما داخل القصر , قصر الخلد , ففيه ما لا يستطيع أن يصفه لسان .
*******
قال أحدنا:
_من فضلك أيها العم هلا حدثتنا عن أمير المؤمنين ؟
نظرإلينا وتبسم العم الطيب وقال:
_نادوني بأبي حسام , وتعالو معي إلى مركبي لأحدثكم عنه .
كان قصر الخلد يطل على نهر الفرات فركبنا مع العم في مركب بسيط قديم بعض الشيء لكنه جيد , جلسنا حوله في هدوء, رحب بنا في مركبه و أحسن ضيافتنا وسألنا من أين جئنا و لأي سبب ,فأخبرناه أننا من شتى بقاع الارض جمعنا حب العلم و السعي في طلبه وأخبره كلن منا عن حلمه الذي يتوق إليه وما إن فرغنا من الحديث عم الصمت المركب للحظات ثم قال العم :
_ليس الحديث عن حياه الرشيد عامه ولا أستطيع أن أوفي الحديث في وقت قصير ولو كنت من السحره أو من أرباب الكرامات . ولكن حديثي عن أشهر الوقائع منذ ولادته إلى الأن .
هارون الرشيد هو خامس الخلفاء العباسيين , ولد سنه 766م , وهو من أعظم الخلفاء العباسيين و أكثرهم جدلا , فقد عرف عنه أنه يغزو عاما و يحج عاما ,
يحكم وحده ,حكما إستبداديا مطلقا على ربع العالم .و دخل خزانته الخاصه 411 مليون دينار من الذهب كل سنه . وهو صوره من عصره و صوره من بغداد , التي فيها كل شيء .
هذا هو هارون الرشيد , أشهر ملوك الإسلام , و أوسعهم ذكرا , وأعظمهم ملكا.
*******
سأله أحدنا :
_هل حقا ما سمعنا عنه من إهتمامه الكبير بالعلم و العلماء ؟
أجاب العم بإيماءه خفيفه موافقا و قال :
_بلغ من حبه للعلم أن رحل مع ولديه الأمين و المأمون لطلب العلم و قراءه الموطأ على مالك من بغداد إلى المدينه, و هذا لم يسمع عن ملك في الشرق و الغرب (إلا صلاح الدين الأيوبي لما رحل إلى الإسكندريه لسماع الحديث ) .
و جعل لطلاب العلم رواتب يبلغ أعلاها أربعه آلاف دينار في السنه ,فما عرف زمان كثر فيه العلماء كثرتهم في زمان الرشيد , حتى كان الولد يحفظ القرآن وهو إبن ثمان سنين , ويحفظ الحديث و دواوين الشعر في الحادية عشره , ويناظر العلماء وهو إبن خمس عشرة سنه .
ولم يعرف عنه أنه بطش بعالم , إن كاد مره أن يبطش بعمر بن حبيب القاضي لما ذكر الرشيد أبا هريره وإتهمه بالكذب ,فرد عليه عمر بشده , فدعاه و السيف أمامه , ليضرب عنقه , فقال عمر: يا رب إني دافعت عن صاحب نبيك فدافع عني . وقال الرشيد :إذا كان الصحابه كاذبين كان الدين كذبا , لأنه مروي عنهم فعاد الرشيد إلى نفسه ,وعفا عنه , و اجازه .
و للعلماء أسمى المنازل في مجلسه ,و يدعوهم إلى مائدته الخاصه , وصب الماء مره بنفسه للمحدث أبي معاويه الضرير ليغسل يديه بعد الأكل و قال له :
_أتدري من يصب عليك الماء ؟
قال: لا!
قال: أنا .
لم يتحرك و لم يهتز و لم ير في ذلك إلا شيئا عاديه فقال هادئا :
إنماأكرمت العلم يا أمير المؤمنين , وإستمر في غسل يديه .
رحم الله أولئك الرجال .
يحب الإستماع للمواعظ و المشايخ و يبكي بإخلاص حتى ينتحب .
*******
سأل آخر: هل خانه البرامكه فعلا يا أبا حسام؟
صمت لوهله و قد ظهر الحزن على محياه و قال :
_لا يا بني لم يخونوه مطلقا . لقد تعاظم نفوذ البرامكه و تقلدوا المناصب العاليه , وهنا إتخذت الأمور منحنى جديدا ,كثرت الدسائس و الوشايات من قبل حسادهم ليغيروا صدر الرشيد عليهم ,بتصويره بمظهر العاجزأمام إستبداد البرامكه , والمبالغه في إظهار جرأتهم على الخليفه , وتحكمهم في أمور الدوله ,و قد نجحوا في ذلك مع الأسف ,فقد قرر الرشيد التخلص منهم ووضع حد لنفوذهم .
ولم يكن ذلك بالأمر الهين لتغلغلهم في معظم أمور الدوله , فأتبع الرشيد سياسه الكتمان .
وفي ليله السبت الأول من صفر عام187ه (29 يناير عام 809م) ,ضرب ضربته القاضيه , امر رجاله بالقبض على البرامكه جميعا و أعلن ألا أمان لمن آواهم , وأخذ أموالهم وصادر دورهم و ضياعهم , وفي ساعات قليله إنتهت أسطوره البرامكه و تبددت سطوه تلك الأسره التي إنتهت إليها مقاليد الخلافه لفتره طويله من الزمان , حبسوا جميعهم و على رأسهم أميرهم و صديقي القديم الغالي يحيى بن خالد البرمكي .
قال غيره :
_يؤسفنا ما حدث لصديقك يا عم .
نظر إليه ثم نظر إلينا وتبسم بحزن و قال :
_ لا تأسفوا فهذه إراده الله والدنيا لا تدوم على حال واحده .
*******
قال ممن معنا :
_يا عمنا الطيب ما الذي دار بين الرشيد و ملك الإفرنجه ؟
قال وقد خلى وجهه من أي تعبير :
_شارلمان إمبراطور مملكه الإفرنجه , وهو إمبراطور قوي ,سمعت أنه يمتلك معظم أراضي أوروبا الغربيه ,قد حدثني صديق إفرنجي مسلم له إبن عم يعمل في قصر شارلمان , سمع مصادفتا حوار شارلمان مع و زيره حول خطته لعقد إتفاق ودي مع هارون الرشيد ليقلل من خطر هجوم البيزنطي عليه .
وقد أيد أمير المؤمنين ما نشأ بينهما من حسن تفاهم بأن أرسل إليه عددا من الفيله و مفاتيح الأماكن المقدسه في بيت المقدس و ساعه مائيه .
سألته قائلا :
_ سمعت أن الإفرنجه لا يملكون نصف ما نملك من العلوم في شتى المجالات اهذا صحيح ؟
تبسم العم فضحك و قال متعذرا :
_معذرة سؤالك ذكرني بحادثه غريبه أخبرني عنها صديقي الإفرنجي , سأقصها عليكم و ستجد فيها الإجابه على سؤالك .
كما أخبرتكم من قبل بأن أمير المؤمنين أهدى ملك الإفرنجه ساعه مائيه ضخمه , بإرتفاع حائط الغرفه , وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد معين من الكرات المعدنيه بعضها في أثر بعض بعدد الساعات فوق قاعدة نحاسية ضخمة، فيسمع لها رنين موسيقى يسمع دويه في أنحاء القصر..وفي نفس الوقت يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منها فارس يدور حول الساعة ئم يعود من حيث خرج، كانت أعجوبة فنيه، قد أثارت دهشة الملك وحاشيته.
ذهب إبن عم صديقي ليطلب حضور الرهبان لبلاط الملك , فإستمع إلى كلام الرهبان يتأمرون لتحطيم شيئ ما تلك الليله ظنا منهم أن بداخله شيطان يحركه , لم يعر ما سمعه إهتماما كبيرا ذاك الوقت , وفي اليوم التالي و جدوا الساعه المائيه محطمه فعرف ما كان الرهبان يتأمرون حوله , لقد إعتقدوا أن في داخل الساعة شيطان يحركها.. فتربصوا به ليلا، واحضروا البلط وانهالوا عليها تحطيما إلا أنهم لم يجدوا بداخلها شيئا .
قد ظهرت علينا إمارات الدهشه و ضحكنا تعجبا من فعلهم
فقلت و أنا غير مصدق لما سمعت :
_حسبوا في الساعه شيطانا يحركها ؟!سبحان الله يؤتي العلم لما يشاء .
و أردف العم قائلا :
_حمد لله على نعمه الإسلام و سائر نعمه .
وحمدنا من بعده , حلت علينا لحظات من الصمت فلم يكن هناك سوى صوت المياه وهي تتحرك بهدوء ,وتهز المركب بخفه , ثم إرتفع صوت الأذان المغرب ليقطع ذاك السكون ,صوت شعرت معه بإنشراح و طمأنينه .
فقال العم متبسما :
_هيا بنا يا أبنائي لنصلي المغرب مع الجماعه في المسجد
سحبنا المركب إلى الضفه و ذهبنا إلى المسجد .
*******
وبعد بضع سنين كان قد عاد معظمنا إلى دياره و أهله و أحبته , عدنا ظافرين بشتى أنواع العلوم لنعمر بلادنا .
عندما غادرنا بغداد , كان أمير المؤمنين في خرسان , لإخماد الفتن و الثورات التي إشتعلت ضد الدولة، فلما بلغ مدينة طوس إشتدت به العلة، وتُوفي في 3 جمادى الآخر 193هـ, الموافق 4 إبريل 809م, بعد أن قضى في الخلافة ثلاث وعشرين سنة، وتعتبر فترة حكمه العصر الذهبي للدولة العباسية.
بينما كنت أجلس في الجنه المحيطه ببيتي , تحت شجره زيتون أخضر , في غزه بني هاشم .
وصلت الأخبار المؤسفه ,بعد موت هارون الرشيد , إقتتل الاخوين الأمين و المأمون على العرش و إنقسمت الدوله , وضعفت , سادت الفوضى بغداد عاصمه الخلافه و دمرت بغداد على يدي المأمون إذ حاصرها لمده خمسه عشر شهرا , وضربها بالمنجنيق حتى أصيبت بأضرار بالغة، وتهدمت أسوارها، وأصابها الخراب والدمار، وسادت فيها الفوضى، وعمت المجاعات , وفي ظل كل هذا توفي العم أبو حسام , مات مدافعا عن أهله و داره , مات شهيدا , حزنت كثيرا لوفاته , لكن سعدت لنيله الشهاده بإذن الله ,ودعوت الله أن يكون في الجنه .
المصادر :
كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي , ويكيبيديا , و الشخصيات من إضافتي لإتباعي الأسلوب القصصي في الكتابه .
في أمان الله و حفظه .

