...
في قصر خاص قابع وسط عتمة منتصف الليل و الغيوم الرمادية الراكدة تحجب كل ضوء للقمر أو النجوم ، كانت مئات الظلال تمشي حوله مسلحين متأهبين بملابس كقطع الليل لا تتضح سوى انعكاسات لأضواء على سيوفهم المسلولة و أقواسهم المرفوعة.. واعينهم التي لا تطرف.
أخذت عيني الشاب الحاذقتين تمسحان طبقات من أوراق كثيرة بين يديه ، في وسط غرفة كبيرة مضيئة و دافئة بفضل المدفئة الكبيرة الفاخرة ، كانت مليئة بالأرائك الوثيرة و القطع الثمينة.
تمتم بهدوء : مولاي ، أرجوك أن ترتاح قليلا.
ترك الملك الستارة الثقيلة لتنسدل مجدداً على فتحة النافذة التي كان يراقب منها منذ دقائق طويلة :
_ آه لا بأس برآيس أنا بحال جيدة.
وهو يلقي بنظرة طويلة على الحراس الستة المنتشرون خلف المجلس الكبير ، ذوي وجوه جامدة بلا أي تعبير بملابس سوداء و حمراء داكنة و أسلحة كثيرة وعلامة طائر أسود بأربعة أجنحة.
قال الشاب مجدداً برقة وهو يتقرب من الملك "كرايسيس" : أرجوك سيدي ، لقد أخبرتك. "دآيمنـد" بنفسه قد كتب هذه ، الأميرة غاردينيا بخير وهي قادمة بالطريق ، ستصل قرب الفجر مع حراسة مشددة..!
أومأ الملك ببطء ووجهه لا يزال شاحباً قليلا حثه برآيس حتى جلس على مقعد مريح و قال بتعاطف :
_ سيكون كل شيء بخير يا سيدي ، ما أن يأتي الحرس الملكي حتى ننتقل.
رفع الملك عينيه الزرقاوين و همس بهدوء : برآيس يا بني ، ليس هذا ما تسأله عيناي ، أنما هل تقليت رسالة من عائلتك ؟
أومأ الشاب ببسمة خفيفة : أجل ، لقد كتبت لي زوجتي أنهم بخير ، حرآس دآيمنـد لا يزالون لديهم حتى أعود..
_ عليك بالعودة لرؤيتهم !.
_ بالطبع لكن ليس الآن سيدي ، حتى نستقر بالقصر الملكي سأفعل كل شيء.
سأله الملك بعبوس طفيف وعينان لامعتان : ألن.. يأتي معها ؟!.
طرف برآيس بعينيه قليلا ثم تمتم وهو يعيد النظر للرسائل : لا اعتقد يا سيدي. لم يذكر شيئاً.
تنهد الملك ببطء هامساً بحزن : ليست هنالك أي تفاصيل للمعركة أو مالذي حدث !، لا أشعر بالراحة. ولن أشعر بها لفترة طويلة كما أظن.. ذلك الشاب.. لقد انقذنا.. بعد كل شيء.
صمت برآيس بعبوس ، هو قلق بالفعل ، لم يذكر "دآيمنـد" أي شيء عن القتال ، فقط الأميرة بخير و هي قادمة.. والنائب هنا لا يتكلم لقد رأى بأن رسالة خاصة أتت إليه وحده .. أزداد عبوسه ، ألا تعني له الصداقة شيئا ألن يأتي بنفسه ليطمئن عليهم !.
_ برآيس بني.. أجلس أنت لا تزال جريحاً..!
ناداه الملك من عمق أفكاره ، جلس الشاب على المعقد بجانبه و ببسمة قال : أنا قوي مولاي. لقد مضت أيام على الجرح أني بخير.
ابتسم الملك بشحوب هامساً : لقد اعطاني الله فرصة للتكفير عن ذنوبي ولم أمت ولم أرى أحداً منكم قد مات ، كم أنا شاكر لهذه النعمة.
همس برآيس : لا بأس سيدي ، سنكون جميعا بأفضل حال.
سمعوا صهيل أحصنة يخترق عباب الصمت و الظلام ، فنهضا سريعا وتحرك الحراس نحو المنافذ ، سابق برآيس الحارس إلى الباب الداخلي ليفتحه و من خلفه هرع الملك أيضاً.. حتى وصلا إلى الباب الخارجي ليفتحه النائب الملثم بصمت..
ظهر من الظلام حارس مدجج ضخم بدرع حديدي ، يحمل شيئا رقيقاً بين ذراعيه بعباءة رماديه ثقيلة..
همس الملك بالكاد : غاردي..!
دخل الحارس الضخم القصر قائلا : لقد أتيت أيها الملك و معي الأميرة ، أنها نائمة الآن.
قال الملك بسرعة : فلتدخل إلى غرفتي الخاصة.
وضعها الحارس بعناية على السرير و قام برآيس بتغطيتها والملك يجلس بقربها بلهفة المشتاق اليائس الحزين ، مسح على شعرها الذهبي الطويل جانباً وظهر وجهها الجميل متعباً شاحبا قليلا و خطوط طويلة من الدموع..
تمتم الملك وعينيه تدمعان : هل هي بخير..؟
قال الحارس بصوت أجش رغم هدوءه : أنها غير مصابة بأي جراح ، وقد عالجها الحكيم من المرض حتى أصبحت قادرة على تحمل الطريق إلى هنا.
سالت دموع الملك وهو ينظر نحوه : هل عاد المرض ؟!!. وهي بذلك المكان وحيدة !.
أجاب الحارس ببرود : سيدي اللورد لم يرتح حتى وجدناها في مخيم الأعداء ، وهو من أنقذها بنفسه.
هتف برآيس سريعاً : ومالذي جرى هناك ؟!
_ لقد احرقناهم . وقتلناهم جميعا لم نبقي منهم أحدا ، والآن قبل أن أعود حيث يطلبني سيدي.
التفت نحو الملك و انحنى قليلا ثم أخرج كيس قماشي صغير به زجاجتين من الدواء الأحمر و تمتم :
_ أنه دواء الأميرة ، قطرتين فقط كل يوم.
أخذه الملك بصمت والحارس ينحني قليلا بتحية : و الآن سأعود.
_ مهلا !!..
أوقفه برآيس بصوت حاد : ..مالذي جرى بالقتال ؟ هل أصيب دآيمنـد ؟؟ هل هو بخير ؟!.
رد الحارس بصوت خشن : كلا ، سيدي اللورد بخير.
_ : ..و أين يمكث هو الآن ؟!
_ اعتذاري سيدي لا يمكنني أخبارك ، لدي أوامر.
زم الشاب شفتيه بقوة من الغضب و ألقى نظرة إلى الملك العابس أيضاً من القلق ، تمتم الشاب : انتظر لثوان سأكتب له شيئاً..
أخذ أقرب ورقة و خط عليها كلمات سريعة ثم طواها و اقترب الحارس لاستلامها ، سلمها له قائلا :
_ اعطه إياها بيده..
_ حسنٌ سيدي سأفعل.
ابتعد الحارس في جوف الظلام و الحراس يقفلون الأبواب من خلفه ، التفت برآيس نحو الملك و الأميرة النائمة و اقترب سريعا ليقول ببسمة :
_ الأميرة تبدو بخير رغم تعبها..
لم يستطع الملك اظهار بسمة كاملة بل ارتجفت شفتاه وهو يقلب يدها الباردة النحيلة بين يديه هامساً :
_ رباه ، لن أكون قادراً على العيش من دونها .
شد الشاب على كتف ملكه هامسا ببسمة : عندما تستيقظ ستثير الفوضى بكل مكان.. أنها قوية حقاً !
ابتسم الملك أخيراً ومسح دمعة حارة ثم تنفس بعمق قائلا : هل تعتقد بأن .. دآيمنـد مصاب ؟!
هز برآيس رأسه نفياُ بينما قلبه يضرب قلقاً ، لكن هنالك خطب ما ؟! سيكتشف كل شيء ما أن يصبح الملك بقصره بأمان .. يجب أن يراه أو أن يرد على رسالته بسرعة ، إن لم يكن هنالك خطب كان يتوقع بأن يجلبها هو بنفسه و ربما يتحدث إليهم..
_ آآه...!
_ غاردينيا صغيرتي ؟!
تمتم الملك بقلق طفيف وهو يمسك بيدها بينما تتأوه متألمة ، التفت برآيس مقترباً أكثر : هل ستستفيق الأميرة ؟!
تحرك رأسها قليلا بضيق ودمعة حارة تسيل من عينيها المغمضتين بقوة.. أخذت تهمهم : دآيمنـد... لا.. لا تفعل !
تمتم الملك : لا بأس حبيبتي ، أنه حلم !، اششش اهدئي غاردين..
طبطب على رأسها برقة شديدة ثم نظر نحو برآيس ذو العينين المتوترتين لا أحد واثق الآن مما جرى ، لا يمكن أن يختار "دآيمنـد" أن يغادر بطريق ما وحده.
/ ,، /
_ لقد غابت شمس اليوم الثاني للرسالة سيدتي ، أنا بالكاد أحافظ على عقلانيتي..
باحت الأميرة اليافعة بحزن يلفه يأس طفيف ، معارك شديدة للأمل في قلبها تحاول أن تنجو و تقوى لأجله.. لا تدري ما سيحدث شبح المجهول يقف قريباً من افكارها.. لولا وجود السيدة "تالين" المتماسكة والتي عاشت أياماً صعبة ، لفقدت أملها المسكين منذ أمد..
_ ليلهمنا الرب الصبر و الأمل. أنا أعلم من ارتجاف عينيك بأنك في صراع قلق وخوف ، لكن لا يا مارسيلين هدئي قلبك لقد اخبرتني بنفسك بأن يده تحركت قليلا ، أنه هو أيضاً في عراك للعودة. أبقي قوية قليلا بعد..
كانت تجلس بتعب في سريرها وقد ألمت بها حرارة خفيفة بسبب سعيها الدائم في الجو البارد بلا ثياب كافية ، حزنت الملكة لأجلها وقالت أن لم ترتح في مخدعها لبعض الوقت فلسوف تغادر مع ابنها "ليلياك" الذي تلقى رسالة عاجلة من أمير مملكة "ميرديلاك" ، وهذا ما أحزنها أكثر ، سيشد أخيها اليوم رحال سفره و بدى من عبوسه و شحوب وجهه بأنه تلقى خبراً ما.. شعرت بالقلق قليلا وهم لم يخبروها حقاً بالتفاصيل ، قلقت على كاميليا لكنهم قالوا بأنها بخير.
قبل ليلياك جبينها هامساً : سأعود قريباً مع كاميلياً أريد رؤيتك كما عهدتك اتفقنا.
ابتسم بتعب : أجل أخي.
دلف الملك "دونسار" مخدعها باسماً وقائلاً بمرح رقيق : آه أنتما هنا ، لطالما تجتمعان سراً لكيد المكائد..
ابتسمت مارسيلين بحب و ضحك ليلياك قائلاً : ليس هذه المرة سيدي. لكني أؤكد لك بأن لدينا الكثير من المخططات لمستقبل طويل.
رفع الملك حاجبيه بسخرية قائلاً : آوو.. يجب أن أضع عيني عليكما أنتما الأثنان مرعبان.
غمز للأميرة التي تحسن لون وجهها ، و تمتم ليلياك بفخر : بالطبع ، خاصة مارسيل ، أنها العقل وأنا العضلات ونحن معاً لا نهزم.
تمتمت مارسيلين ببسمة : لكن خططنا جميعا سلمية ، لا تظهر هذا القلق أبي.
ضحك الملك برقة وهو يجلس بقربها : حسنُ ، هذا مريح بعض الشيء.
عندها ودعهم ليلياك مجدداً و غادر ، قبل والدها رأسها هامساً : للتو عدت من عند سيدريك. جلبت السيدة تالين باقة أزهار أخرى ، اعتقد بأن وجهه تحسن كثيراً. أنه يذهلني.. حتى وهو نائم أشعر بقوته.
تنهدت مارسيلين هامسة : أبي.. هل أخبرتك السيدة تالين بأنها أرسلت للحكيم خاص.. ربما سيصل الليلة.. أو ربما فجراً..
_ أجل صغيرتي..
_ أريد أن ... أكون هناك عندما يأتي..
صمت الملك ناظراً نحوها بحنو يخالطه الحزن يلمع في عينيه الخضراوين كالزمرد الداكن بينما عيناها المشابهتين لعينيه تلمعان بدموع كثيفة :
_ أبي.. أخبر "كآميلآ" بأن لا تغضب مني.. أرجوك.
_ هممم.. أنتِ ستفعلين بالرغم من مرضك ، أليس كذلك ؟!
هزت رأسها بعبوس : لست مريضة ، مجرد أرهاق سأكون بأفضل حال أعدك..
تنفس والدها بعمق هامساً : أنا أعلم بأنك طفلتي القوية الواثقة ، رغم هذا أنا لا اتحمل ابتعادك عني كثيراً ، مارسي أنت.. تعلمين هذا أليس كذلك ؟، أنا أحبك بعمق أنت الهدية العظمى بحياتي.!
ابتسمت بعيون دامعة و يديها تشتد على يديه ، بدى قلقاً من فقدانها بعيداً ، وهي حتى لا تقوى على الابتعاد عن دفئه..
_ أبي.. أنت أيضاً أجمل شيء بحياتي ، أنا لن ابتعد عنك أعدك ، ليس بعد الآن..
_ و لا مغامرات بعيدة ..؟!
سألها ضاحكا ، ضحكت : آ.. حسنا لا اعتقد بأنها ستكون بعيدة جداً..
أومأ ببطء متمتماً : حسن.. يمكننا التحدث بهذا أكثر لاحقاً.
ابتسمت مارسيلين تطمئنه : أجل ، كما تشاء أبي.. سأفعل ما تريد.
ضمها برقة بذراع واحدة يقبل رأسها وهي تغمض عينيها وعدت بأنها لن تكسر قلب والدها الدفيء الحنون الخاص بها..
نامت قريرة العين الآن كل هذا بسبب دعم والدها و بقية عائلتها لها و السيدة تالين كانت قوية واثقة بأن الأمور ستصبح أفضل ، هذه الليلة كانت جيدة ، تشعر بالدفء و ليس البرودة الغريبة و الارتجاف الذي يصيبها بغموض و قلق على "سيدريك" ، سيعالجه الحكيم و سيستيقظ و ستراه مجدداً ناهضاً بقوة ، و ستسمع صوته العميق المميز و تبقى غارقة بسحر عينيه الخرافي.
سمعت أصوات حركة خفيفة و أحاديث ، لا تدري هل عقلها يخترع هذا أم أنها حقيقة ؟.
فتحت عينيها محدقة بالعتمة السابقة للفجر ، نظرت حولها ببطء ظلال الحراس خلف مدخل غرفتها ، سمعت الأصوات مجدداً من الخارج ترسلها الرياح ، صوتا ما رغم هدوءه لكن واضح.
ارتدت ثياباً ثقيلة و سارت ناظرة من الشرفة ، بعد الحديقة منزل الحكماء حيث يمكث "سيدريك" ، هل أتى الحكيم الشاب الآن ؟!
فتحت الباب بعجلة و خرجت تسير نحو الدرابزين ومن خلفها مشى الحراس.. هبطت الأرض تركض و قلبها يدق بقوة و انفعال حتى قطعت الحديقة الملكية .. و عندها أمام الباحة المعتمة وقفت مسمرة..
حدقت بحصانين أحدهما ضخم مدجج أسود مرعب بالكاد عرفت بأنه حصان من نوع ما ، وهناك شخصين ضخمين واقفين أحدهما يرتدي عباءة طويلة ثقيلة سوداء وكلاهما بقناعين معدنين يظهران فقط أعينهم الحادة اللامعة.. و أمامها .. اتسعت عينيها أنها السيدة "تالين"، هذا أراحها بشدة.
ذو العباءة رفع رأسه و ظهر صوته الأجش العميق ، ربما بسبب قوته رغم خفوته أيقضها هذا.
حدقت بها عيون فضية بارقة حادة.. رفع يده عالياً فوق رأسه ثم خلع القناع عن وجهه ، بالكاد تنفست مارسيلين.. أنه هو..!
ضاق عينيها قليلا و كأنه يبدو مختلفاً.. وكأن قادم لمعركة ما ، لا يبدو مسترخياً.. بل لا يبدو كحكيم أصلاً ، أنه يبدو كمقاتل مرعب ! باحث عن الدماء !! وهذا أقلقها بشدة ..
اقتربت بساقين ترتجفان وهي تهمس : سيدة.. سيدة تالين..؟!
التفتت السيدة تالين هاتفة : آآوه مارسيل !!.. لم أنتِ مستيقظة يا عزيزتي الآن ؟!. هل أنت بخير ؟
ردت الأميرة بتعب وهي ترى الحكيم المخيف يلتفت نحو ما بدى كمساعده يشير بيديه : أنا.. بخير.. سمعت أصوات.. أهذا.. الحكيم ؟.
قالت السيدة تالين بشفقة وهي تمسك بذراعها تدعمها : أجل.. هو لا يبدو كهذا.. لكنه حكيم بارع أيضاً.. أنه هو من اعتقد بأنه يستطيع انقاذ سيدريك !
همهمت مارسيلين بالكاد : أأعلم.. لكن.. يبدو..
التفت "دآيمنـد" ببطء مع عباءته و همس ببرودة الجليد وهو يومئ بتحية : حسناً ، لقد تقابلنا من قبل يا أميرة ، لكنني الآن بحلة المعركة ؛ لأنه كان علي قطع مسافة كبيرة..!
شهقت الأميرة كلمات سريعاً : آآه أجل.. شكراً لك حقاً.. لقدومك.. و...
قاطعها بعيون باردة : ليس لأجلك ، و لا أي أحد.. أردت رؤيته هو فقط.
قالت السيدة تالين بعبوس : لطيف كعادتك ، دآيمنـد. هلا هدأت أنت بضيافة الأميرة.
صمتت مارسيلين بتوتر ، المهم هو انقاذ سيدريك !. ، أتى مساعده يحمل صندوقا معدنيا كبيراً بين ذراعيه الضخمتين.
_ و الآن... لأرى سيدريك.
سار أمامهم مع مساعده و السيدة تالين تمشي معه تصف له الطريق.. بينما أخذت مارسيلين تتمالك قلبها و أعصابها المرتجفة.. سيكون كل شيء بخير.. سترى الآن..
/,,،/