نظرت نحو والدها , كان سعيداً جداً و يثرثر مع الوزراء و فالكوس الذي يبدو هادئاً للغاية و مركزاً . نظرت نحو اليمين و الشمال , كان هناك العديد من النبلاء والخدم و بعض الأطفال أيضاً.. شعرت بالخوف , هؤلاء معرضين للخطر.
نظرت نحو فالكوس في الجهة المقابلة برعب , وكأنه شعر بنظرتها رفع بصره نحوها و نظر بعطف.. لا تستطيع الكلام بأي شيء مما يرعبها الأن.. لكن الوزير أشار بعينيه و رسم بسمة لطيفة نحو الأعلى حيث الدرابزين المطل فوق القاعة الضخمة ..
نظرت نحو الأعلى إلى ما أشار إليه و وقع بصرها على الفارس المعدني الأسود والفضي المألوف.. ظلت مسمرة مندهشة , لم تره هكذا منذ فترة طويلة , بدا مهيباً خيالياً كعادته الغموض و القوة تلف به..
شعرت برحة لطيفة تغمرها , والثقة , أيا كانوا من سيهاجمونهم , سوف يندمون !.
الغريب أنه انتصف الليل و غادر الضيوف , ولم يحدث شيء , فكرت ربما في ليلة أخرى واستدارت تسير ببطء في الممر الكبير وحدها , رأت خمسة مدرعين بلون حمر داكن معدني من الجهة اليمنى و خمسة من الجهة اليسرى بعيداً مختفين تقريباً في الظلام , على أكتافهم اليمنى علامة بلون فضي خفيفة و غريبة , كانت التماثيل تقف على منصات خاصة بها عالية قليلاً . كانت مسلحة بالكامل , معها سيوفها و فؤوسها الكبيرة.. مرت بها رجفة خوف , أنها مهيبة !.
ألتمع البرق فجأة من وراء الشرفات خلف التماثيل , فجزعت الاميرة , اقتربت لتتأكد من الجو ..!, لقد حلت العاصفة الليلة دون توقع أحد..
حدقت مجدداً بدقة في الأسفل بين الأشجار.. و شعرت بالرعب وهي تلمح ظلالاً تتسلل نحو القصر, لا تدري كم عددهم لكن كانوا كثيرين !.
التفتت بسرعة و أخذت تحث الخطوات راكضة إلى حيث القاعة التي كان بها والدها ...
فتحت القاعة على مصراعيها وهي تهتف : أبـــــي !.
لم تجد أحداً , كان الظلام يعم المكان, لقد غادروا.. همست بنفسها بقلق : لم يكن علي التحرك وحدي..!
التفتت خلفها , لتجد عدة أشباح سوداء ممسكين بسيوفهم , ضحك أحد الثلاثة : أنها الأميرة !, فلنقضي عليها !.
اختنقت الصرخة بحلقها , لقد دخلوا بالفعل !! , هجم أحدهم و تعثرت وهي تتراجع بسرعة لتقع على ظهرها أرضاً..
صرخ المهاجم والدماء تسيل من يده التي تمسك السيف لقد قطعت !!.
حدقت برعب بالدماء و الرجل الذي سقط أرضا يتلوى ألما.. , شتم أحدهم و هجم الاثنان لكن ليس عليها بل عل من يقف خلفها..
زحفت بسرعة مبتعدة هي تدير رأسها أيضاً لتنظر نحو الحارس لمعدني الأحمر الممسك بقضيب معدني غليظ وطويل ينتهي بفأس ذو رأسين حادتين كالشفرات , كانت سيوفهم تثير الضحك أمام هذا السلاح المخيف.! .. قام بحركة خاطفة بسيطة بطعن واحد و ضرب الآخر بشدة في صدره.. سقط كلاهما ميتين.!
كانت عينيها زائغة قليلا و متفاجئة. التفت نحوها الدرع ليتقدم بخطوات بلا صوت , مد يده نحوها قائلا بصوتٍ خفيض أجش :
_ كان حري أن تغمضي عينيك قليلاً مولاتي..
أوقفها وهي قد تعرف إلى صوت "هآريس" الهادئ.. قالت بسرعة : وماذا عن والدي, لقد دخلوا القصر حقاً , ماذا حدث للحراس !!
_ لقد صنعوا ممراً سرياً إلى خلف الأسوار.. ولكن لا تقلقي على الملك الفرسان هنا يحمونه , هيا لنذهب حيث البرج.
سارت متعثرة قليلاً معه تجاري خطواته الكبيرة السريعة نحو ممر الأبراج : لماذا نذهب إلى هناك ؟!
_ أنه أكثر أمنا , كما أمر اللورد.
_ هل سيدريك مع أبي ؟
هي تعرف الجواب لكنها أحبت أن تنطق اسمه , أجاب الفارس : أجل أنه معه...
سألت بتوتر : وماذا عن الملكة ؟!!
_ يرافق الملكة خمسة فرسان أشداء , هي بأمان في البرج لا حاجة للقلق . فقط لنأخذك إلى الأمان أنتِ أيضاً سموك.
.....
قبل دقائق قصيرة بينما الملك يغادر القاعة مع وزيره وبعض الحراس , في الممر الطويل المؤدي إلى قلب القصر الذي كانت به مارسيلين قبل أن تعود ..
قطع عليهم طريقهم مجموعة من أصحاب العباءات السوداء , أكثر من عشرة أشخاص , صدم الملك لما يرى و التفت إلى الخلف , فوجد مجموعة أخرى تسد الطريق و صوت ضحكات ساخرة مكتومة ترددت مع ألتماع البرق.
حتى الحراس الذي مع الملك لن يقدروا على صدهم , كانوا كثر.. وليس هناك ثوان كافية كي يصرخ أحد الوزراء منادياً الحرس الخارجي..!.
تقدما كلا المجموعتين ببطء يضيقون الخناق , و تحدث من يبدو كرئيس لهم ببسمة خبيثة :
_ يالا الجمال , لم اعتقد بأن دفاعك بطيء بهذا الشكل رغم أن هجومك قوي , لكنك لا تحمي نفسك جيداً صحيح أيها الملك ؟.
صر الملك بين أسنانه وهو يرد بحنق : لقد جنيتم على أنفسكم..!
امسك الوزير "فالكوس" بذراع الملك يهدأه و كانت بيده الأخرى سيفه.. بينما الحراس يستعدون للهجوم..
قهقه رئيس جماعة كريستس بفخر : أرموا أسلحتكم فوراً , أما أنت أيها الملك فأرمِ تاجك هذا و ابتسم لمصيرك.
كشر الملك وكاد يتحرك بنفسه للهجوم , لكن ضرب البرق فجأة و حركت التماثيل الحمراء التي بدأت في الظلام والبرق كحوش مدمية كلياً ..!
شهقوا جميعاً ما عدا الوزير فالكوس الذي أمر الحراس بسرعة : احموا الملك , أطلقوا السهام..!
تفاجئت الجماعة بشدة مما يجرى , والتماثيل تنقض عليهم بقوة لم يخطر على بال أحدهم بأنها تتحرك كالسحر.. ألتمع البرق مجدداً و هدر الرعد مزمجراً و التحمت الجماعة والفرسان وحرس الملك..
أسرع "فالكوس" مع الملك نحو الممر الجانبي و هرع من خلفهم خمسة من الأعداء , ظهر المدرع الأسود بمنتصف الطريق , اسرع الوزير ليقف خلفه يلتقط انفاسه مع الملك الذي لا يزال يعاني من صدمة التماثيل !
همس بصدمة : فالكوس . لا تقف.. اهرب..
تمتم فالكوس بصعوبة وبسمة خفيفة تطل من شفتيه : لا.. نحن بأمان , سيدي..
هجم الخمسة دفعة واحدة عليه , فصدهم و أسقطهم واحداً تلو الآخر.. ظل الملك مصدوما و فمه نصف مفتوح , مالذي يجري لهذه التي ظنها هدايا لقد هبت متحركة للدفاع عنه , هل هذا سحر ما ؟!!.
تسلل أحدهم من الخلف و رفع سيفه ليهوي به بقوة من فوق رأس الملك الذي التفت و عينيه الخضراوين تتسعان بينما بؤبؤهما الأسود يصغر بشدة..!!.
اغمض عينيه وانتظر الموت المفاجئ , لكن سمع صوت صد الضربة ليفتحهما بدهشة , كان السيف على بعد سنتيمترات عن انفه , وقبضة حديدية قوية قد أمسكت بالنصل..!!
كان "سيدريك" ملتفتا بمهارة , شد السيف بقوة بقبضته بينما العدو يمسك به بيدين اثنتين , ألقى بالسيف بعيدا و ضرب بقبضته على وجه العدو ليقع ملقيا على بعد امتار منهم..
شد فالكوس الملك أقرب إليه وهو يتمتم بتوتر.. , تحدث سيدريك وهو يستقيم : أيها الوزير خذ الملك.
لقد جاءت مجموعة أخرى من الأعداء , بينما تصاعد رنين جرس عالي في مكان ما في القصر.. هب الحراس الخارجيين للدخول لكن الأعداء قد أغلقوا الأبواب.. مما اضطرهم أن يحاولوا تحطيمها..
... ... ...
ركضت بممر البرج المفتوح بلا سقف مع "هاريس" قاصدين البرج المحمي كانت الأمطار شديد والرياح تجعلها قوية تضرب وجوههم , ابتلت مارسيلين من رأسها حتى أطراف قدميها , لكنها تابعت المسير بسرعة رغم أنها تنزلق يمنة و يسرة , كانت الأرض بعيدة مخيفة و مظلمة ظنت بأنها لن ترى القاع , بينما هما بالأعالي يحثان المسير..
..و لكن فجأة ارتمى سهم خاطف أمام قدميها , لتشهق وهي تتعثر و تنزلق واقعة أرضاً , التفت هاريس بسرعة و سيفه مسلول , قبض على ذراع الأميرة يرفعها بينما عينيه تمشطان المكان..
صدرت ضحكة انثوية خطيرة عالية من لا مكان بسبب هدير الرعد , بدت مخيفة..!
ضيقت مارسيلين عينيها بتوتر , وكأنها تتذكر هذا الصوت.. حثها هآريس : هيا يا أميرة..
التفتا معاً و فجأة ظهرت أمامهما فتاة شابة شقراء الشعر و ملامح وجهها القاسية والحادة ظهرت مع ألتماع البرق..
همست مارسيلين بصدمة : لا يمكن...!
ردت الفتاة ببسمة شريرة : بل يمكن..
استعد هآريس و حذرها وهو يرفع سيفه ويحمي مارسيلين خلف ظهره : سأقتلك إن لم تغادري فوراً..
_ آوه بالفعــل.. حراس الأميرة الغالية..
تهكمت الفتاة بشرر , سمعت الأميرة صوتاً خلفها والتفتت وهي ترى رامياً يشد قوسه من خلفهم فوق بوابة الممر , هتفت بسرعة:
_ هآآآريس..!
لكن السهم انطلق التفت هاريس ببراعة و صد السهم بقوة , لكن الفتاة انقضت عليه بسيفها بينما ذلك الشخص يطلق سهما اخر.. ضرب هآريس سيفها بقوة لتسقط أرضاً , بينما التفت ليصد سهما آخر.. توترت مارسيلين و تذكرت سيفها , سحبته من تحت ملابسها بسرعة فانزلق منها بسبب البلل ركضت نحوه وهي تهتف " لا يا ألهي..!!! "
_ أيتها الأميرة..!!!
هتف هآريس مسرعا إليها وقد لاحظ الرامي الذي صوب سهمه نحوها , حماها بينما السهم قد أصاب ذراعه اليمنى , سقط منه السيف , لكنه تحامل و أمسك به باليسار , شهقت مارسيلين وهي ترى الدماء , انقضت عليهم الفتاة بشكل مفاجئ , طعنت هآريس بظهره ..!!
صرخت مارسيلين بقوة : لااااااااااااااااا !!
حاول هآريس آن يتماسك رغم أن الضربة كانت سيئة , لكن مارسيلين أخذت بالفعل تصد ضربات الفتاة المتوحشة ...
رفع عينيه إلى أعلى وبصعوبة وسط المطر شاهد ذلك الرامي ينزل و يركض نحوهم , لقد ظن بأن حارس الأميرة سقط نهائياً , لكن هآريس انتظره إلى أن اقترب أكثر , فرفع نفسه و سيفه ليقيه بقوة باتجاهه , تسمر الرامي والسيف ينغرز بعنقه ليهوي ميتاً !!
كانت الفتاة تهتف بضحكة شريرة : هذا ما أردته تماماً قتالك وجها لوجه !!, دون ان تختبئ خلف حرسك الكثر..!
صرخت مارسيلين : ستدفين الثمن..!
_ بل أنت من ستدفعين الثمن , لقد قتل والدك أخي..!
ردت الأميرة وهي تصد ضرباتها بيدين ترتجفان : لقد كان خائناً مثلهم , عرفت قصته وكذلك أنتِ إن لم تتوقفي..!
_ بل سأتوقف فوق جثتك و جثة والدك..!
ضربت الفتاة بقوة , ففقدت مارسيلين توازنها لتقع أرضاً و انزلق السيف منها نحو الحافة ثم تلاشى في الظلام.. هتفت الأميرة برعب :
_ لااا.. السيف..!.
اسرعت نحوه و اسرعت الفتاة من خلفها انزلقت وسط المياه وهي تكاد تمسك به من فوق الحافة , لكن شيئاً قوياً ضربها من خلف رأسها فصرخت ألما بينما يدفعها هذا الشيء , تعثرت لتقع من فوق الحافة لكن يديها تمسكتا بالحجر المبلل..
رفعت بصرها بصعوبة والمطر يضرب عينيها , وجدت الشقراء تقف عند أصابع يديها و ضحكت انتصارها تتعالى :
_ و ها أنت.. سوف تموتين بهذا الشكل.. لا بأس هذا جيد كفاية لتعذيبك..!
رفعت سيفها بينما زاغت عيني الأميرة الخضراوين , وهوت تلك بسيفها بقوة على يدي الأميرة , لكن شيئاً ما ضربها لتقع أرضاً بعيداً..
_ مارسيـــليــن !!
هتف صوت تعرفه , خاصة نبرة الفزع هذه ..! , وظهر ظلا فوق رأسها , خفق قلبها للتو وهي تصرخ بألم غير قادرة على أخذ انفاسها بينما تنزلق ببطء مع المياه من فوق الحافة :
_ سـ... سيدريـك ... آآه.. سأقع...!!
وبالفعل , انفلتت آخر اصابعها المتشبثة , لتهوي نحو الظلام شعرت بالرياح تضربها و هي ترى جسدها يسابق قطرات المطر الكبيرة في الوقوع أرضاً و الاصطدام , لكن شيئا ما... خيالاً أسود ظهر قافزاً من خلفها...
احاطها بسرعة و قوة بجسده , ادركت ما فعل , لقد قفز خلفها مباشرة ..!
وهي لم تقدر على التنفس بل شهقة مختنقة : لا .. سيدريك..!!
ثوان صغيرة ثم ارتطما أرضاً بقوة وسط برودة المياه و قصف البرق و هدير الرعد الغاضب..
كان الظلام شديداً وكأن عينيها مغمضتان بقوة.. والصقيع الذي يحيطهما لا يوصف..!.
لكن , هي لم تشعر بأي ألم أو صدمة..!.
.
.