مشاهدة تغذيات RSS

Little Diary

الرحمةُ الكاذبةُ *

تقييم هذا المقال
attachment

يروون أنَّ فيلسوفَ الصينِ «لوتس» Lao - tze الذي عاشَ في القرن الخامسِ قبل الميلادِ
كان يقولُ : قابلِ الرحمةَ بالرحمةِ , وقابلِ القسوةَ بالرحمةَ أيضاً.
ولكن «كونفوشيوس» الفيلسوف الكبيرُ الذي كان يعيشُ في الزمّن نفسهِ, لم يوافق على هذا الرأي
وكان يقولُ : قابل الرحمةَ بالرحمةَ والقسوة بالعدلِ .
وجاءَ شُّراحُ هذين المبدأين, فقالوا: إنَ كلاَّ من الحكيمين نظرَ إلى المسألةِ من جانبهِ, وإنَ لوتس كان رجلاً شعبياً فوضع هذا المبدأ في الحقوقِ الشخصيةِ, فإذا ظلمك أحدٌ في مالك ولم يدفعِ الدّين الذي عليه. فرحمتَهُ وسامَحْتَهُ فذلك حقُّك, وإذا اساء إِليك إنسانٌ بكلمةٍ قاسيةٍ أو عملٍ غير لائقٍ فرحمته وعفوتَ عنه, فأنتَ وشأنكَ.

أما كونفوشيوسُ فكان حاكماً, وكانَ والياًعلى إِقليمٍ, فنظرَ إلى المسألةِ من جانب المصلحةِ العامةِ, ومن جانبِ خيرِ المجتمعِ, فمن سَرق فَرُحِمَ أو قتَلَ فرُحمَ, جَرَّأَتِ الرحمةُ النـاسَ على السرَّقةِ فسرقوا, وعلى القتلِ فقتلوا, وفسدتِ الجمعيةُ البشريةُ.

وعلى هذا المبدأ أنتَ حرٌّ في حقوقكَ الشخصيةِ, تعفو أو تؤاخذُ, وترحمُ أو تعدلُ, ولكنْ لستَ حرّا في الحقوق العامةِ, فلا بدَّ من العدْلِ دونَ الرحمةِ.

وأحياناً يمتزج الحقّان, ويختلط الأمـرانِ, فإذا حاول لصٌّ أن ينشل ساعتك فقبضت عله فالمالُ مالُكَ والساعةُ ساعتُكَ, ولكنّ ضررَ السرقةِ ليسَ مقصوراً عليكم بل معاقبةَ السّـارقِ حَقٌّ من حقوق الأمة, لأنَ إِذا لم يلقَ جزاءَه جزّأه ذلكَ على العودةِ وفي ذلك ضّررٌ عامٌّ للمجموع.
ففي هذهِ الحالة وأمثالها يجبُ أن نسيرَ على مبدأ كونفوشيوس, ونهدرَ الحقَّ الشَّخْصِيَّ ولا نرعى إِلا الحقَّ العامَّ فنُبلغ عن السّارق لينال عقوبتَه.
والحقُ أنَ من أكبر مصائبنا غلبة الرحمة علينا حيثُ تجبُ القسوةُ, والمعاملةَ بالشفقةِ حيثُ يجبُ العدلُ.

إنظر إلى مصلحتين من مصالح الحكومة, رئيس احداهما عادلٌ جازمٌ لا يحرم متهاوناً ولا يغفر لأحد غلطةً, ورئيس الأخرى لينٌ رحيمٌ لا يضر احداً ولا يؤذي احداً ويتستر على الخطأ, فإذا ظهر عفا عه, فماذا تكون النتيجة؟

المصلحة الأولى منتظمةٌ تجري الأمورُ فيها على أحسنِ مايرام, قد آذينا شخصاً أو شخصين أو ثلاثة بقطع ايام أو حتى بالفصل.. ولكن كم من ألوف الناس انتفعوا بهذا النظام وبهذه العقوبة فقُضيت مصالحهم واستقامت امورهم, وكم من الموظفين في المصلحة اتعظوا بهذهِ العقوبة, فاحترسوا من الخطأ, وتجنبوا الزللَ.

والمصلحةُ الثانيةُ فوضى بسبب رحمةِ شخص أو شخصين, كثر فيها الإهمالُ وتعطلت مصالحُ النّـاس, وكانت النتيجة أن العقوبةَ لم تقعْ على الجاني وإِنما وقعت على أصحابِ الأعمالِ الذينَ لم يجنوا أية جنايةً!

بالأمس ذهبتُ إلى مصلحة لقضاء عمل فرأيتُ الموظفَ المختصَّ, مسنداً رأسه إلى يدهِ, يكادُ يداعب النعاس عينيه, فلما طالبت منه مسألتي تلكَّأ في الردِّ, ثم ردَّ بفتورٍ, وتخلَّصَ من العمل...
وأحالَ على غيرهِ من عَمِل مثل عملهِ!
أيُقال إن مثلَ هذا يُرْحَمُ فتضيعُ مصالحُ الناس برحمتهِ؟ إِنَ الإفراطَ في عقوبة مثل هذا أجدى على الأمةِ ألف مرةٍ من الرّحمةِ الكاذبةِ!

وَفُشُوُّ هذا الخلقِ في الأمةِ جعل المثل الأعلى عندها "هُو الرجل الطيب" والرجلُ الطيبُ في نظرها من لا يؤذي احداً. . . ومن يُغمضُ عينه عن مرتكبِ الجرائمِ, وعن الكسول, والمتهاون, ومن يرى السارقَ فيرحمُ, والمرتشي فيرحمُ, والمهمل لعمله فيرحمُ, ولو عَقل الناسُ لَسَمّوا هذا "الرجل الطيب" أكبرَ مجرم لأنه أساء إلى آلاف الناسِ برحمةِ رجلٍ واحد.

المعلمُ "الطيب" بهذا المعنى هُو أسوأ معلم, والقاضي "الطيب" بهذا المعنى اسوأ قاضٍ, ورئيسُ المصلحةِ "الطيبُ" أسوأ رئيسٍ, والوزير "الطيبُ" أسوأ وزير, لسنا نريدُ "الطيبين" ولكن نريدُ العادلينَ الحازمينَ!

فوضى "الرحمة" في الأمة جعلت الأم تخشى على ابنها من السفر ولو كان في منفعته, وتولولُ إذا جُندَ, ولو كان التجنيد في خيرهُ وخير أمتهِ.
وفوضى "الرحمة" جعلت كل موظفٍ يريدُ أن يكون في البيت بجانب أبيه وأمه, وفوضى "الرحمة" افقدتنا الشجاعة, لأن كل من حدثته نفسه بأعمال المغامرين, والاستمتاع إلى باعث الشجاعة, رأى حولة أُماً تئنُ واباً يحنُ, ودموعاً تسحُ فطلّق شجاعته واستنام إلى الدَّعة في أحضانهم!

النـاس يكرهون الحازم الشديد ويحبون اللين الرحيم.. ولو أنصفوا لبدّلوا الحب بالكره.
والكره بالحب, فإنما ينفعهم الحازم ويضرهم اللين.. ينعفهم الحازم الذي يكافئ ويعاقب.
وينفع ويضرُّ, ويعرفُ متى ينفع ومتى يضرُّ, ويضرُّهم اللينُ الذي يريدُ أن يستخرج من الناسِ لقبَ "الطيب" وماهو بطيبٍ!

ليس يُعجبني من وصفهم الشـاعر بقولهِ:
يَجزونَ مِنْ ظُلْمِ أهلِ الظُّلمِ مغفرةً . . . . . وَمِنْ إِساءةِ أهلِ السّوءِ إِحسانا

وإنما يُعجبني وصفُ الآخرِ بقولهِ:
فقَسَـا ليزدجــروا ومن يكُ حـازماً . . . . . فليقسُ أحياناً على من يرحم

لقد تغلبت على الناس فكرة الخوفِ من "قطع العيش" والوا إن الرجل إذا أذنب فوراءه زوجةٌ وأولادٌ لم يُذنبوا.
وهي حجةٌ واهيةٌ, ولو كانت صحيحةً لرحمنا القتال من أجل اسرته والسارق من أجل أمهِ وأبيه.

فالواجبُ أن يُقتص من الجاني أيَّاً كانَ, وعلى جهات البرِّ في الأمةِ أن تُدبرعيشَ المساكينِ من أسرِ الجانين.
أمـا الخوفُ من "قطعِ عيشِ" المجرم فنتيجته "قطعُ عيشِ" الأمة!


***

أرسل "الرحمةُ الكاذبةُ *" إلى Facebook أرسل "الرحمةُ الكاذبةُ *" إلى del.icio.us أرسل "الرحمةُ الكاذبةُ *" إلى StumbleUpon أرسل "الرحمةُ الكاذبةُ *" إلى Google

تم تحديثة 03-09-2013 في 15:28 بواسطة ديم ‘ (شكراً لقلمك *)

الكلمات الدلالية (Tags): غير محدد تعديل الدالاّت
التصنيفات
غير مصنف

التعليقات

  1. الصورة الرمزية الخاصة بـ Yun Hui !
    رآآآآآآئعة .. stung

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter