مشاهدة تغذيات RSS

أنـس

الإسلام والمسيحية ~ (تــــابـع)

تقييم هذا المقال
.

كانت هذه الخواطر المترددة في عقول أولئك الأذكياء هي الخطوة الأولى التي مشتها أوربا في طريق المدنية والعمران بفضل الإسلام وشرائعه التي عرفها هؤلاء الأفراد من مخالطة المسلمين في أوربا ومطالعة كتبهم ومناظرة حضارتهم ومدنيتهم، ثم أخذوا يعلمونها للناس سراً ويبثونها في نفوس تلاميذهم شيئاً فشيئاً، ويلقون في سبيل نشرها عناء شديداً، واستمر هذا النزاع بين العلم والجهل قروناً عدة حتى انتهى أمره بالثورة الفرنسية، فكانت هي القضاء الأخير على الوحشية السالفة والهمجية القديمة.

أيها الفيلسوف التاريخي : إنك لا بد تعلم ذلك حق العلم لأنه أقل ما يجب على المؤرخ أن يعلمه، كما تعلم أن المدنية الإسلامية إذا وسعت غيرها فأحر بها أن تسع نفسها، ولكن التعصب الديني قد بلغ من نفسك مبلغه، فما كفاك أن أنكرت فضل صاحب الفضل عليك، حتى أنكر عليه فضله في نفسه !

.

لا حاجة بي أن أشرح لك المدنية الإسلامية أو أسرد لك أسماء علمائها وحكمائها ومؤلفاتهم في الطبيعة والكيمياء والفلك والنبات والحيوان والمعادن والطب والحكمة والأخلاق والعمران، أو أعدد لك مدارسها ومجامعها ومراصدها في الشرق والغرب، أو أصف لك مدنها الزاهرة، وأمصارها الزاخرة، وسعادتها وهناءتها، وعزتها وسطوتها، فأنت تعرف ذلك كله إن كنت مؤرخاً كما تقول.

غير أني لا أنكر ما لحق بالمسلمين في هذه القرون الأخيرة من الضعف والفتور، وما أصاب جامعتهم من الوهن والانحلال، ولكن ليس السبب ذلك الإسلام كما نتوهم، بل المسيحية التي سرت عدواها إليهم على أيدي قوم من المسيحيين أو أشباه المسيحيين لبسوا لباس الإسلام وتزيوا بزيه ودخلوا بلاده وتمكنوا من نفوس ملوكه الضعفاء، وأمرائه الجهلاء، فأمدوهم بشيء من السطوة والقوة تمكنوا به من نشر مذاهبهم السقيمة وعقائدهم الخرافية بين المسلمينن حتى أفسدوا عليهم مذاهبهم وعقائدهم، وأوقعوا الفتنة فيهم، وحالوا بينهم وبين الاستمداد من روح الإسلام وقوته فكان من أمرهم بعد ذلك ما كان.

كل ما نراه اليوم بين المسلمين من الخلط في عقيدة القضاء والقدر، وعقيدة التوكل، وتشييد الأضرحة وتجصيص القبور وتزينها والترامي على أعتابها، والاهتمام بصور العبادات وأشكالها دون حكمها وأسرارها، وإسناد النفع والضرر إلى رؤساء الدين، وأمثال ذلك أثر من آثار المسيحية الأولى، وليس من الإسلام في شيء.

أيها الفيلسوف التاريخي : لا تقل إننا متعصبون تعصباً دينياً فإنك قد أسأت إلينا وإلى ديننا، فلم نر بدأ من الذب عنا وعنه بما تعلم أنه حق وصواب، على أنه لا عار علينا فيما تقول، وهل التعصب الديني إلا اتحاد المسلمين يداً واحدة على الذود عن أنفسهم والدفاع عن جامعتهم؛ وإعلاء شأن دينهم ونصرته حتى يكون الدين كله لله.

إن كان رفضاً حب آل محمد __ فليشهد الثقلان أني رافضيُّ

.

أرسل "الإسلام والمسيحية ~ (تــــابـع)" إلى Facebook أرسل "الإسلام والمسيحية ~ (تــــابـع)" إلى del.icio.us أرسل "الإسلام والمسيحية ~ (تــــابـع)" إلى StumbleUpon أرسل "الإسلام والمسيحية ~ (تــــابـع)" إلى Google

الكلمات الدلالية (Tags): غير محدد تعديل الدالاّت
التصنيفات
اقتباسات ~

التعليقات

  1. الصورة الرمزية الخاصة بـ ولد عتيبة 511 ™
    كل الشكر لك أخي العزيز أنس على ماكتبته من حروف تصف واقع إسلامنا الحقيقي ليس مسلميه في هذا الزمان
    ومنطلقاً من قوله ﷺ"إذا قال الرجل لأخيه : جزاك الله خيرا ، فقد أبلغ في الثناء"
    أقول لك جزاك الله خير

    لكن ما أثار تساؤلي هو ماعلاقة هذه البيت
    إن كان رفضاً حب آل محمد __ فليشهد الثقلان أني رافضيُّ
    بما تطرقت إليه وما تحدثت وكتبت عنه

    وتعريجاً على البيت المذكور ومن ذكره وسبب ذكره فماذا لو كان هذا الحب مدعى وخفائه سكاكين تطعن وتسرح في أخلاق آل محمد ؟
    وماذا لو كان مقتضى "الترفض" هو الطعن في عرض النبي والطعن في سنته والوحي الذي جاء به عبر الطعن بالناقلين- صحابته رضي الله عنهم- لِما أتى به ؟


    وأكرر قولي جزاك الله خير

    تحياتو
    تم تحديثة 20-08-2011 في 06:26 بواسطة ولد عتيبة 511 ™
  2. الصورة الرمزية الخاصة بـ حلا الشام
    جزاكِ الله خيراً اخي ..

    موضوع رائع جداً و جاء في وقته ..

    جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله
  3. avatar14271_9
    مرحباً بك أخي العزيز ولد عتيبة .. وجزاك الله خيراً على مرورك الجميل ..

    وبخصوص ما تفضّلت به من سؤالك عن ذلك البيت الشعري وعلاقته بالموضوع ..

    فالموضوع منقول كما هو حرفاً من كتاب النظرات للمنفلوطي .. وذلك البيت الشعري هو للإمام الشافعي رحمه الله ، وقد تلقّفه بعض الجهال الذين فسروه تفسيراً خاطئاً ..

    وليس كل من ادعى حب آل البيت رضي الله عنهم فهو يحبهم فعلاً كما نعلم جميعاً ^_^

    .

    أما بخصوص ذكر المنفلوطي لهذا البيت وعلاقته بموضوعه .. فبحسب رأيي والله أعلم ، البيت له علاقة بالفقرة الأخيرة من المقال ، والتي قال فيها :

    أيها الفيلسوف التاريخي : لا تقل إننا متعصبون تعصباً دينياً فإنك قد أسأت إلينا وإلى ديننا، فلم نر بدأ من الذب عنا وعنه بما تعلم أنه حق وصواب، على أنه لا عار علينا فيما تقول، وهل التعصب الديني إلا اتحاد المسلمين يداً واحدة على الذود عن أنفسهم والدفاع عن جامعتهم؛ وإعلاء شأن دينهم ونصرته حتى يكون الدين كله لله.
    يريد أن يقول بأن اللورد كرومر حتى لو كان صادقاً في اتهامه له بالتعصب الديني فلا عار عليه في ذلك ، فإذا كان التعصب من ( العصبة ) ، وهو الاجتماع والاتحاد يداً واحدة على الذب عن الدين والدفاع عنه ، فما العيب إذاً في أن يكون المسلمون ( عصبة ) واحدة في ذلك ؟

    أي أن كلمة ( التعصب ) التي قد تُستخدم كعبارة ذم في حق المسلمين هي أصلاً ليست بذم ..

    وبناءً على هذا المفهوم أورد ذلك البيت الذي وكأنه يقرر فيه أن ( لا مشاحة في الاصطلاح ) ، فإذا كان حب آل البيت رفضاً أو أي اسم آخر فلا مانع من التسمي به ما دام المعنى الصحيح قائماً بالفعل ..

    وكذلك إذا كان الذب عن الإسلام تعصباً ( فليشهد العالم أنني متعصب ) ..

    .

    هذا ما أظنه والله أعلم ^_^

  4. الصورة الرمزية الخاصة بـ ولد عتيبة 511 ™
    وصلت الفكرة أخي أنس الغالي
    لكن من الوهلة الأولى ظهرت لي عدة تعجبات + قرأت بعض من أجزاء هذا المقال في وقت مضى لكن لم أقرأ البيت لذا تعجبت ^^
    وجزاك الله خير ونفع بك

    تحياتو

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter