مشاهدة تغذيات RSS

أنـس

الإسلام والمسيحية ~

تقييم هذا المقال
.

الإسلام والمسيحية

.

attachment

مصطفى لطفي المنفلوطي - رحمه الله تعالى -

.

=========

ما عجبتُ لشيء في حياتي عجبي لهؤلاء الذين يعجبون كثيراً مما كتبه اللورد كرومر عن الإسلام، كأنما كانوا يتوقعون من رجل يدين بدين غير دين الإسلام يضنُّ به ضنه بنفسه وماله أن يؤمن بالوحدانية، وصِدق الرسالة المحمدية، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويحج البيت ما استطاع إليه سبيلاً !

إن اللورد كرومر يعتقد كما يعتقد كل مسيحي متمسك بيسوعيّته أن الإسلام دينٌ موضوعٌ ابتدعه عربيٌّ بدويٌّ أميٌّ ما قرأ في حياته صحيفة، ولا دخل مدرسة، ولا سمع حكمة اليونان، ولا رأى مدنية الرومان، ولا تلقي شيئاً من علوم الشرائع والعمران.

هذا مبلغ معتقده في ذلك الرجل، فكيف يرى نفسه بين يديه أصغر من أن يناقشه ويناظره ويخطّئه فيما وضعه للناس من الشرائع والأحكام ؟ وكيف يسمح لنفسه أن ينظر إليه بالعين التي ينظر بها المسلم إليه من حيث كونه نبياً مرسلاً موحىً إليه من عند الله تعالى بكتاب كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ أما ما نقرؤه أحياناً لبعض علماء الغرب المسيحيين من الثناء على الإسلام وإطراء أحكامه وآياته، فهو مكتوب بأقلام قوم مؤرخين قد أدوا للتاريخ حق الأمانة والصدق، فلم يعبث التعصب الديني بكتاباتهم، ولا تشمت الروح المسيحية في أقلامهم ولا ريب في أن اللورد كرومر ليس واحداً منهم، فإن من قرأ كتابه "مصر الحديثة" خيل إليه أنه يسمع صوت راهبٍ في صومعته قد لبس قلنسوته ومَسوحه وعلق صليبه في زناره.

فهل يحق بعد ذلك لأحد من المسلمين أن يدهش أو يذهب به العجب كل مذهب إذا رأى في كتاب اللورد كرومر ما يراه كل يوم في كتب المبشرين الإنجيليين، وجرائدهم، ومجلاتهم، من الطعن على الإسلام وعقائده وشرائعه ؟

بلغ التعصب الديني بجماعة المبشرين أن حكموا بوجود اللحن في القرآن بعد اعترافهم بأنه كتاب عربي نظمه على حسب معتقدهم رجل هو في نظرهم أفصح العرب، وليست مسألة الإعراب واللحن مسألة عقلية يكون للبحث العقلي فيه مجال، وإنما الإعراب ما نطق به العرب، واللحن ما لم ينطقوا به؛ فلو أنهم اصطلحوا على نصب الفاعل ورفع المفعول مثلاً لكان رفع الأول ونصب الثاني لحناً، ولكن جهلة المبشرين لم يدركوا شيئاً من هذه المسلمات، واستدلوا على وجود اللحن في القرآن لقواعد النحو التي ما دوّنها مدوّنوها إلا بعد أن نظروا في كلام العرب وتتبعوا تراكيبه وأساليبه، وأكبر ما اعتمدوا عليه في ذلك هو القرآن المجيد، فالقرآن حجة على النحاة، وليست النحاة حجة على القرآن فإذا وجد في بعض تراكيب القرآن أو غيره من الكلام العربي ما يخالف قواعد النحاة حكمنا بأنهم مقصرون في التتبع والاستقراء، على أنهم ما قصروا في شيء من ذلك، وما تركوا كثيراً ولا قليلاً ولا نادراً ولا شاذاً إلا دوّنوه في كتبهم، فلا القرآن بملحون، ولا النحاة مقصرون، ولكن المبشرين جاهلون، فإذا كان التعصب الديني أنطق ألسنتهم بمثل هذه الخرافة المضحكة فليس بغريب أن نسمع من هذا الرجل المتشبه بهم هذا الطعن على الإسلام في عقائده وأحكامه.

إننا لا ننازع اللورد كرومر ولا أمثاله من الطاعنين في الإسلام في معتقدهم ولكنا نحب منهم ألا ينازعونا في معتقدنا، وأن يعطونا من الحرية في ذلك ما أعطوه لأنفسهم.

يقول اللورد كرومر : " إن الدين الإسلامي دين جامد لا يتسع صدره للمدنية الإسلامية، ولا يصلح للنظام الاجتماعي "، ويقول : " إن ما لا يصلح له الدين الإسلامي يصلح له الدين المسيحي "، ويستدل على الإسلام بالمسلمين، وعلى المسيحية بالمسيحيين.

في أي عصر من عصور التاريخ، كانت الديانة المسيحية مبعث العلم ومطلع شمس المدنية والعمران ؟ أفي العصر الذي كانت تدور فيه رحى الحرب الدموية بين الارثوذكس والكاثوليكية تارة، وبين الكاثوليك والبروتستانت تارة أخرى بصورة وحشية فظيعة اسودَّ لها لباس الإنسانية، وبكت الأرض منها والسماء ؟ أم في العصر الذي كانت إرادة المسيحي فيه صورة من إرادة الكاهن الجاهل؛ فلا يعلم إلا ما يعلمه إياه، ولا يفهم إلا ما يلقيه إليه، فما كان يترك له الحرية حتى في الحكم على نفسه بكفر أو إيمان، وبهيمية أو إنسانية، فيكاد يتخيل أن له ذنباً متحركاً وخيشوماً طويلاً، وأنه يمشي على أربع إذا قال له الكاهن : أنت كلب، أو قال له : إنك لست بإنسان ؟

أم في العصر الذي كان يعتقد فيه المسيحي أن دخول الجمل في سَمِّ الخياط أقرب من دخول الغنى في ملكوت السموات ؟ أم في العصر الذي كان يحرم فيه الكاهن الأعظم على المسيحي أن ينظر في كتاب غير الكتاب المقدس. وأن يتلقى علماً في مدرسة غير مدرسة الكنيسة ؟ أم في العصر الذي ظهرت فيه النجمة ذات الذنب فذعر لرؤيتها المسيحيون ورفعوا إلى البابا عرائض الشكوى فطردها من الجو فولت الأدبار ؟!

أم في العصر الذي أهدى فيه الرشيد العباسي الساعة الدقاقة إلى الملك شارلمان فلما رآها الشعب المسيحي وسمع صوتها فر من وجهها ظناً منه أن تشتمل على الجن والشياطين ؟! أم في العصر الذي ألفت فيه محكمة التفتيش لمحاكمة المتهمين بمزاولة العلوم فحكمت في وقت قصير على ثلاثمائة وأربعين ألف بالقتل حرقاً أو صلباً ؟ أم في العصر الذي أحرق فيه الشعب المسيحي فتاة حسناء بعدما كشط لحمها وعرق عظمها لأنها تشتغل بعلوم الرياضة والحكمة ؟

هذا الذي نعرفه أيها الفيلسوف التاريخي من تاريخ العلم والعرفان والمدنية والعمران في العصرو المسيحية، ولا نعلم أكانت تلك المسيحية التي كان هذا شأنها وهذا مبلغ سعة صدرها صحيحة في نظرك أم باطلة، وإنما نريد أن نستدل بالمسيحيين على المسيحية، وإن لم نقف على حقيقتها كما فعلت أنت في استدلالك بالمسلمين على الإسلام وإن لم تعرف حقيقته وجوهره، على أن استدلالنا صحيح واستدلالك باطل، فإن المدنية الحديثة ما دخلت أوربا إلا بعد أن زحزحت المسيحية منها لتحتل محلها كالماء الذي لا يدخل الكأس إلا بعد أن يطرد منها الهواء لأنه لا يتسع لهما، فإن كان قد بقي أثر من آثار المسيحية اليوم في أكواخ بعض العامة في اوربا فما بقي إلا بعد أن عفت عنه المدنية ورضيت بالابقاء عليه، لا باعتبار أنه دين يجب إجلاله واعظامه، بل باعتبار أنه زاجر من الزواجر النفسية التي تستعين الحكومات بها وبقوتها على كسر شِرَّة النفوس الجاهلة، فلا علاقة بين المسيحية والتمدين الغربي من حيث يستدل به عليها، أو باعتبار أنه أثر من آثارها، ونتيجة من نتائجها، ولو كان بينه وبينها علاقة ما افترقت عنه خمسة عشر قرناً كانت فيها أوربا وراء ما يتصوره العقل من الهمجية والوحشية والجهل، فما نفعتها مسيحيتها ولا أغنى عنها كهنوتها.

أما المدنية الإسلامية فإنها طلعت مع الإسلام في سماء واحدة من مطلع واحد في وقت واحد، ثم سارت إلى جانبه كتفاً لكتف ما ينكر من أمرها ولا تنكر من أمره شيئاً، فالمتعبد في مسجده، والفقيه في درسه، والمعرب في خزانة كتبه، والرياضي في مدرسته، والكيمائي في معمله، والقاضي في محكمته، والخطيب في محفله، والفلكي أمام اسطرلابه، والكاتب بين محابره وأوراقه، إخوة متصافون وأصدقاء متحابون لا يختصمون ولا يقتتلون، ولا يكفر بعضهم بعضاً، ولا يبغي أحد منهم على أحد.

أيها الفيلسوف التاريخي : إن كان لابد من الاستدلال بالأثر على المؤثر فالمدنية الغربية اليوم أثر من آثار الإسلام بالأمس، والانحطاط الإسلامي اليوم ضربة من ضربات المسيحية الأولى. وإليك البيان :

جاء الإسلام يحمل للنوع البشري جميع ما يحتاج إليه في معاده ومعاشه ودنياه وآخرته، وما يفيده منفرداً، وما ينفعه مجتمعاً.

هذب عقيدته بعدما أفسدها الشرك بالله والاسفاف إلى عبادة التماثيل والأوثان، وإحناء الرؤوس بين أيدي رؤساء الأديان، وأرشده إلى الإيمان بألوهية إله واحد لا يشرك به شيئاً، ثم أرشده إلى تسريح عقله ونظره في ملكوت السموات والأرض ليقف على حقائق الكون وطبائعه، وليزداد إيماناً بوجود الإله وقدرته وكمال تدبيره، ليكون اقتناعه بذلك اقتناعاً نفسياً قلبياً، فلا يكون آلة صماء، في يد الأهواء تفعل به ما تشاء، ثم أرشده إلى مواقف تذكره بربه وتنبهه من غفلته وتطرد الشرور والخواطر السيئة عن نفسه كلما ابتغت إليها سبيلاً، وهي مواقف العبادات ثم أطلق له الحرية في القول والعمل، ولم يمنعه من الشرك بالله والاضرار بالناس، وعرفه قيمة نفسه بعدما كان يجهلها، وعلمه أن الإنسانية لا فرق بين فقيرها وغنيها ووضيعها ورفيعها وضعيفها وقويها، وأن الملك والسوقة، والشريف الهاشمي، والعبد الزنجي، أمام الله والحق سواء، وأن الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، والنفع والضر، والثواب والعقاب، والرحمة والغفران، بيد الله وحده لا ينازعه منازع، ولا يملكها عليه أحد من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، ثم نظر في أخلاقه فأرشده إلى محاسنها، ونفره من مساوئها حتى علمه آداب الأكل والشرب، والنوم والمشي، والجلوس والكلام، والتحية والسلام ثم دخل معه منزله فعلمه كيف يبر الإبن أباه ويرحم الوالد ولده. ويعطف الأخ على أخيه، ويكرم الزوج زوجته، وتطيع الزوجة زوجها، وكيف يكون التراحم والتواصل بين الاقرباء وذوي الرحم، ثم نظر في شؤونه الاجتماعية ففرض عليه الزكاة التي لو جمعت ووضعت في مواضعها المشروعة لما كان في الدنيا بائس ولا فقير وندبه إلى الصدقة ومساعدة الأقوياء للضعفاء، وعطف الأغنياء على الفقراء. ثم شرع له الشرائع للمعاملة الدنيوية. ووضع له قوانين البيع والشراء، والرهن والهبة والقرض والتجارة والاجازة والمزارعة والوقف والوصية والميراث، ليعرف كل إنسان حقه، فلا يغبن أحداً أحداً، ثم قرر له عقوبات دنيوية تمنعه أن يبغي بعضه على بعض بشتم أو سب أو قتل أو سرقة أو انتهاك حرمة أو مجاهرة بمعصية أو شروع في فتنة أو خروج على أمير أو سلطان، ثم نظر في شؤونه السياسية فقرر الخلافات وشروطها، والقضاء وصفاته، والإمارة وحدودها، وقرر كيف يعامل المسلمون مخالفيهم في الدين البعيدين عنهم والنازحين إليهم، وذكر مواطن القتال معهم، ومواضع المسالمة لهم.

وجملة القول : إن الدين الإسلامي ما غادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا ترك الإنسان يمشي في ميدان هذه الحياة خطوة من مهده إلى لحده، إلا مدّ يده إليه وأنار له مواقع أقدامه، وأرشده إلى سواء السبيل.

طلعت هذه الشمس المشرقة في سماء العرب فملأت الكون نوراً واشراقاً، واختلف الناس في شأنها ما بين معترف بها، ومنكر لوجودها ولكنهم كانوا جميعاً سواء في الانتفاع بنورها، والاستنارة بضيائها على تفاوت في تلك الاستنارة وتنوع في ذلك الانتفاع.

طلعت هذه الشمس المشرقة فتمشت أشعتها البيضاء إلى أوربا من طريق أسبانيا وجنوب ايطاليا وفرنسا، فأبصرها عدد قليل من أذكياء الغربيين، فانتبهوا من رقدتهم واستيقظوا من سباتهم، ورأوا من جمال المذاهب الإسلامية وشرائع الكون ونظامه وقواعد الحرية والمساواة ما لفت نظرهم إلى المقابلة بين المجتمع الغربي الخامل الضعيف والمجتمع الشرقي النابه اليقظ، فقالوا : أيمكن أن يعيش الإنسان حراً على ظهر المسكونة لا يستعبده ملك ولا يسرقه كاهن ؟ أيمكن أن يبيت المرء ليلة واحدة في حياته هادئاً في مضجعه مطمئناً في مرقده، لا يروعه دولاب العذاب، ولا سيف الجلاد ؟ أيمكن أن تملك النفس حريتها في النظر إلى نظام العالم وطبائعه ودراسة العلوم الكونية ومزاولتها ؟ أيمكن أن يطلع فجر المدنية على هذا المجتمع الغربي فيمحو ظلمته التي طال عهدنا بها حتى غشيت أبصارنا فما يكاد يرى بعضنا بعضاً ؟

.

يــتبع >>

أرسل "الإسلام والمسيحية ~" إلى Facebook أرسل "الإسلام والمسيحية ~" إلى del.icio.us أرسل "الإسلام والمسيحية ~" إلى StumbleUpon أرسل "الإسلام والمسيحية ~" إلى Google

الكلمات الدلالية (Tags): غير محدد تعديل الدالاّت
التصنيفات
اقتباسات ~

التعليقات

  1. الصورة الرمزية الخاصة بـ للأبد
    gooood
    جاري قراءة التكملة
    شكرا لك أخي كلام رائع
    ومقنع
  2. الصورة الرمزية الخاصة بـ تغير الدنيا عظة
    المسيحية اليوم في أكواخ بعض العامة في اوربا فما بقي إلا بعد أن عفت عنه المدنية ورضيت بالابقاء عليه، لا باعتبار أنه دين يجب إجلاله واعظامه، بل باعتبار أنه زاجر من الزواجر النفسية التي تستعين الحكومات بها وبقوتها على كسر شِرَّة النفوس الجاهلة، فلا علاقة بين المسيحية والتمدين الغربي من حيث يستدل به عليها، أو باعتبار أنه أثر من آثارها، ونتيجة من نتائجها، ولو كان بينه وبينها علاقة ما افترقت عنه خمسة عشر قرناً كانت فيها أوربا وراء ما يتصوره العقل من الهمجية والوحشية والجهل، فما نفعتها مسيحيتها ولا أغنى عنها كهنوتها.

    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,

    لازيادة ابدا

    سوى بالدعاء لك على هذا الطرح الجميل

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter