مشاهدة تغذيات RSS

أنـس

بيـن ليـلٍ وصبـاح ~

تقييم هذا المقال

بين ليلٍ وصباح

-[ جبران خليل جبران ]-

attachment

.


أُسكت يا قلبي فالفضاء لا يسمعك ..

أُسكت فالأثير المثقل بالنواح والعويل لن يحمل أغانيك وأناشيدك ..

أُسكت فأشباح الليل لا تحفل بهمس أسرارك ومواكب الظلام لا تقف أمام أحلامك ..

أُسكت يا قلبي، اسكت حتى الصباح، فمن يترقب الصباح صابراً يلاقي الصباح قوياً، ومن يهوى النور فالنور يهواه ..

أُسكت يا قلبي واسمعني متكلماً ..


* * *



في الحلم رأيت شحروراً يغرد فوق فوهة بركان ثائر ..

ورأيتُ زنبقةً ترفع رأسها فوق الثلوج ..

ورأيت حورية عارية ترقص بين القبور ..

ورأيت طفلاً يلعب بين الجماجم وهو يضحك ..

رأيت جميع هذهِ الصور في الحلم، ولما استيقظت نظرت حولي رأيت البركان هائجاً ولكنني لم أسمع الشحرور مغرداً ولا رأيتهُ مرفرفاً ..

ورأيتُ الفضاء ينثر الثلوج على الحقول والأودية ساتراً بأكفانه البيضاء أجسام الزنابق الهامدة ..

ورأيتُ القبور صفوفاً منتصبة أمام سكينة الدهور وليس بينها من يتمايل راقصاً ولا من يجثو مصليّاً ..

ورأيتُ رابيةً من الجماجم وليس هناك من ضاحكٍ سوى الريح ..

في اليقظة رأيت الحزن والأسى فأين ذهبت أفراح الحلم ومسرّاته ؟

أنـّى توارت بهجة المنام وكيف اضمحلّت رسومه ؟

وكيف تتجلد النفس حتى يعيد النوم أشباح أمانيها وآمالها ؟


* * *



أَصغِ يا قلبي واسمعني متكلّـماً :

كانت نفسي بالأمس شجرة قوية مسنّة تمتدّ عروقها إلى أعماق الأرض وتتعالى غصونها نحو اللانهاية ..

ولقد أزهرت نفسي في الربيع وأثمرت في الصيف ولما جاء الخريف جمعتُ أثمارها في طبق من الفضة ووضعتـُها على قارعة الطريق، فكان العابرون يتناولون منها ويأكلون ثم يسيرون في سبيلهم.

ولما انقضى الخريف وتحولت تهاليله إلى الندب والولولة نظرتُ فلم أرَ في أطباقي سوى ثمرة واحدة أبقاها الناس لي فتناولتها وأكلتُ فألفيتها مرّة كالعلقم، حامضة كالحصرم. فقلت لنفسي : ويحي لقد وضعتُ في أفواه الناس لعنة، وفي أجوافهم عداء !

فماذا ترى فعلتِ يا نفسي بالحلاوة التي امتصتها عروقك من أحشاء الأرض ، و بالأريج الذي تشربته قضبانك من نور الشمس ؟

بعد ذلك اقتلعت شجرة نفسي القوية المسنّة. اقتلعتها بعروقها من التربة التي نمت فيها و ترعرعت، اقتلعتها من ماضيها ونزعت عنها ذكرى ألف ربيع وألف خريف ..

وعدتُ فزرعت شجرة نفسي في مكانٍ آخر، زرعتها في حقلٍ بعيد عن سبل الزمن، وكنت أسهر بجانبها قائلاً : إن السهر يدنينا من النجوم .. وكنتُ أسقيها بدمي ودموعي قائلاً : إن في الدم نكهة، وفي الدموع حلاوة ..

ولما عاد الربيع أزهرت نفسي ثانيةً .. وفي الصيف أثمرت نفسي، ولما جاء الخريف جمعتُ أثمارها الناضجة بأطباق من الذهب ووضعتها على ملتقى السبل فمرّ الناس أفراداً وجماعات ولكن لم يمدّ أحد يده ليتناول منها، فأخذتُ إذ ذاك ثمرة وأكلت، فوجدتها حلوة كالشهد، لذيذة كالكوثر، طيبة كالخمرة البابلية، عطرة كأنفاس الياسمين .. فصرخت قائلاً : إن الناس لا يريدون البركة في أفواههم ولا الحقّ في أجوافهم، لأن البركة ابنة الدموع، و الحق ابن الدماء ..

ثم عدتُ وجلستُ في ظلّ شجرة نفسي المنفردة في حقل بعيد عن سبل الزمن ..


* * *



أُسكت يا قلبي حتى الصباح ..

أُسكت، فالفضاء قد اتخمته رائحة الأشلاء فلن يتشرّب أنفاسك ..

أصغِ يا قلبي واسمعني متكلماً :

كانت بالأمس فكرتي سفينةً تتقلبُ بين أمواجِ البحار، وتتنقلُ مع الأهويةِ من شاطئ إلى شاطئ، ولقد كانت سفينةُ فكرتي خالية إلا من سبعة أكواب طافحة تشابه ألوان قوس قزح بنضارتها.

وجاء زمنٌ مللتُ فيه التنقل على وجه البحار فقلتُ سأعود بسفينة فكرتي الفارغة إلى ميناءِ البلد الذي ولدتُ فيه، ثم أخذتُ أطلي جوانب سفينتي بألوانَ صفراء كشمس المغيب، و خضراء كقلبِ الربيع، وزرقاء ككبد السماء، وحمراء كذوب الشفق، وأرسمُ على شراعها ودفتها رسوماً غريبة تجذب العين وتبهج البصيرة ..

ولما انتهيتُ من عملي وقد ظهرت سفينة فكرتي كرؤيا نبي تطوف بين اللانهايتين : البحر و السماء، دخلتُ ميناء بلدي فخرج الناس لملاقاتي بالتهليل والتعظيم وأدخلوني المدينة ضاربين الدفوف، نافخين الزمور ..

فعلوا ذلك لأن خارج سفينتي كان مزخرفاً بهجاً ولم يدخل أحد جوف سفينة فكرتي، ولم يسأل أحد ماذا جلبتُ فيها من وراء البحار ..

ولم يدرِ أحد أني عدتُ بها فارغة إلى الميناء ..

عند ذلك قلتُ في سرّي : لقد ضلّلت الناس، و بسبعة أكوابٍ من الألوان قد كذبت على باصراتهم وبصائرهم ..

وبعد عام ركبتُ سفينة فكرتي وأبحرتُ ثانية ..

سرتُ إلى جزر الشرق فجمعتُ منها المرّ واللبان والند والصندل وأدخلتها إلى سفينتي ..

وإلى جزر الغرب فجلبت منها التبر والعاج والياقوت والزمرد وجميع الحجارة الكريمة ..

وإلى جزر الشمال فعدتُ منها بالخز والوشي والبرفير ..

وإلى جزر الجنوب فحملتُ منها الدروع المزردة والسيوف المشرفية والرماح السمهرية وسائر أنواع الأسلحة ..

ملأتُ سفينة فكرتي بنفائس الأرض وغرائبها وعدتُ إلى ميناء بلدي قائلاً : سوف يمجدني قومي ولكن عن جدارة، وسيدخلونني المدينة منشدين مزمّرين ولكن عن استحقاق ..

ولكن لما بلغتُ الميناء لم يخرج أحد لملاقاتي، ودخلتُ شوارع بلدي فلم يلتفت إليّ أحد .. ووقفتُ في ساحاتها معلناً للناس ما جلبتُ لهم من ثمار الأرض وطرائفها فكانوا ينظرون إليّ والضحك ملء أفواههم والسخرية على وجوههم ثم يتحولون عني ! فعدتُ إلى الميناء كئيباً مستغرباً، ولكنني ما لمحتُ سفينتي حتى فطنتُ لأمرٍ كنتُ مشغولاً عنه بمنازع أسفاري ورغائبها ..

فهتفتُ قائلاً :

إن أمواج البحار قد محت الطلاء عن جوانب سفينتي فبانت كهيكل من عظام، وعفت الأرياح والأنواء وحرارة الشمسِ الرسومَ عن أشرعتها فظهرت كأثواب رمادية بالية ..

لقد جمعتُ طرائف الأرض ونفائسها في تابوت يعوم على وجه الماء وعدتُ إلى قومي فنبذوني لأن عيونهم لا ترى سوى المظاهر الخارجية ..

في تلك الساعة تركت سفينة فكرتي وذهبتُ إلى مدينة الأموات وجلستُ بين القبور المكلسة مفكراً بأسرارها ..


* * *



أُسكت يا قلبي حتى الصباح ..

أُسكت فالعاصفة الهوجاء تسخر بهمس أعماقك، وكهوف الوادي لن تـُرجـِع بصداها رنّات أوتارك ..

أُسكت يا قلبي حتى الصباح. فمن يترقب الصباح متجلّداً يعانقه الصباح مشتاقاً ..

.

.

جبران خليل جبران | كتاب العواصف


أرسل "بيـن ليـلٍ وصبـاح ~" إلى Facebook أرسل "بيـن ليـلٍ وصبـاح ~" إلى del.icio.us أرسل "بيـن ليـلٍ وصبـاح ~" إلى StumbleUpon أرسل "بيـن ليـلٍ وصبـاح ~" إلى Google

الكلمات الدلالية (Tags): غير محدد تعديل الدالاّت
التصنيفات
اقتباسات ~

التعليقات


مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter