مشاهدة تغذيات RSS

أنـس

السجينة ~

تقييم هذا المقال
[IMG]http://img05.******.com/uploads/image/2012/03/02/09364d4a66f2.gif[/IMG]


.

السجينة

.

attachment

.

أتممت بالأمس قراءة رواية [ السجينة ] ، والتي تحكي قصة معاناة ( مليكة أوفقير ) وأفراد من عائلتها في سجون الملك المغربي السابق ( الحسن الثاني ) ...

ما تحكيه الرواية أسوأ مما كانوا يصفون .. !!!

لم أصدق عيني وأنا أقرأ وأتابع الأحداث مندمجاً سطراً بسطر وصفحة بصفحة ... كلمة [ المأساة ] أقل ما يمكن أن نصف به ما حدث لعائلة أوفقير البريئة ، والتي أخذت بذنب ( محمد أوفقير ) الذي قام بمحاولة انقلاب فاشلة ضد الحسن الثاني ...

.

ما يزيد من مأساوية الرواية أنها قصة حقيقية واقعة وليست ضرباً من الخيال والأوهام ... إنها تستحق القراءة بتمعن من أجل الاعتبار بأحداثها ، ولكي نحمد الله على نعمه التي لا تحصى ، فبعد أن تقرأ ما حدث لمليكة أوفقير وأسرتها ستحس بأنك رغم كل مشاكلك الأسعد حظاً والأوفر نعمة على سطح الأرض ...

.

.

تبدأ القصة بزواج ( فاطمة الشنّا ) بالجنرال ( محمد أوفقير ) ، الأسرة ذات النفوذ والجاه والسلطان ، والمقربة من ملك المغرب الراحل ( محمد الخامس ) .. ثم تتطرق لوصف مشاهد من الطفولة المترفة التي عاشتها بطلة الرواية وكاتبتها ( مليكة أوفقير ) ، وكيف قرر محمد الخامس تبنيها لتعيش رفقة ابنته الأميرة ( للا مينا ) ...

المراحل الأولى من الرواية مدهشة حقاً ، بحيث أنها تصف مظاهر الترف المفرط الذي عاشته مليكة في طفولتها ومراهقتها ، وتصف أيضاً عدداً من صور الحياة داخل القصر الملكي ، والتي رغم ترفها الشديد إلا أنها غير مرتبطة بالسعادة والهناء وطيب العيش ... فداخل القصور المغلقة مشاكل ربما لا قبل لنا نحن الشعوب بمجابهتها ...

إنها حياة مختلفة بمقاييس مختلفة ومفاهيم مختلفة عن كل شيء ...

يموت محمد الخامس ويخلفه ولي عهده الحسن الثاني ... ويشرف بنفسه على دراسة أخته ( للا مينا ) ورفيقتها ( مليكة أوفقير ) .. الفتاة التي لم تكد تترك نعيماً من الدنيا إلا أصابته ...

كنت أثناء قراءتي لمظاهر الترف تلك أفكر بأن من المستحيل أن تنقلب تلك الحياة إلى حياة أخرى معاكسة تماماً ... غير أن عكس ذلك هو ما حصل بالضبط ...

قام الجنرال ( محمد أوفقير ) بمحاولة انقلاب فاشلة ضد الملك الحسن الثاني ... تمت على إثرها تصفيته بخمس رصاصات قاتلة إحداها في عنقه ..

وهنا تبدأ المعاناة ..

إذ قرر الحسن الثاني - وكان سفّاحاً شديد البطش - أن ينكّل بأسرة أوفقير وأن يجعلها عبرة لغيرها .. فتم اعتقالهم بدءً من ( فاطمة أوفقير ) زوجة محمد أوفقير ، وانتهاءً بـ ( عبد اللطيف أوفقير ) أصغر أبنائه ولم يكن يتجاوز عمره يوم الاعتقال سنتين ونصف ...

.

وتبدأ هنا فصول جديدة من الرواية ، فصول مرعبة حقاً !!

ودعت أسرة أوفقير حياة الترف والرفاهية ، إلى حياة أخرى معاكسة تماماً ...

فتم نقلهم إلى معتقل سري ، ظننت وأنا أقرأ وصف ما عانوه هناك بأنه ما من ظروف عيش أسوأ من تلك ، لأفاجئ بعد عدة صفحات بأن ما كنت أقرؤه في المعتقل الأول كان ترفاً بالمقارنة مع ما سيأتي !!!

تم نقلهم بعد مدة من اعتقالهم الأول إلى معتقل آخر أسوأ بكثير ... ثم نُقلوا بعد أربع سنوات من الحبس والجوع إلى المعتقل الأسوأ على على الإطلاق وهو معتقل ( بير جديد ) في مكان ما بين مدينتي الدار البيضاء ومراكش ....

تحولت الماركات العالمية الفاخرة من الثياب التي كانوا يختالون بها إلى أطمار بالية لا يجدون غيرها لتغييرها ..

وتحولت الفرش الناعمة التي كانوا ينامون عليها إلى فرش إسفنجية متسخة مليئة بالرمل والتراب وتعشش فيها الفئران والحشرات المؤذية ...

وتحولت الأطعمة الفاخرة والأشربة اللذيذة إلى لقيمات قليلة من الطعام الفاسد الذي فقد لونه ومذاقه ورائحته ...

واستمر الوضع من سيء إلى أسوأ ... ولم يتركوا لهم شيئاً كانوا يستمتعون به إلا حرموهم منه ...

حرموهم من الكتب التي كانت تصلهم ليتسلوا بقراءتها ، حرموهم من المذياع الذي كانوا يقتلون به الوقت عبر سماع البرامج والأغاني ... حرموهم من صورهم العائلية القديمة التي كانوا يحتفظون بها للذكرى ..

ثم حدث الأسوأ ، وهو أن حرموهم من بعضهم البعض !! إذ تم تقسيمهم إلى مجموعات فرضوا على كل مجموعة منها العيش في زنزانتها الخاصة المغلقة ... فأصبحوا لا يرون بعضهم البعض لسنوات ، رغم أن الفاصل بينهم كان مجرد ( جدار ) !!

.

واستمر وضعهم المزري عدة سنوات دون أي تطور يذكر إلا من سيء إلى أسوأ ، ولم تنفع محاولة التوسل للملك عبر إرسال الرسائل له إلا في زيادة تعذيبهم والتنكيل بهم ..

وهكذا إلى أن مرت 15 سنة ضاع فيها شباب ( مليكة أوفقير ) ، وأصبح عمرها 34 سنة بعد أن كان عمرها 18 سنة يوم اعتقالها .. وكذلك الأمر بالنسبة لإخوتها الفتيات ..

وضاعت طفولة وشباب ( عبد اللطيف أوفقير ) الذي دخل السجن وعمره سنتين ونصف .. وقد بلغ الـ 18 سنة دون أن يرى أو يعرف في حياته سوى الجدران وأوجه إخوته ، وأوجه الحراس الغلاظ الشداد المعتدين ...

.

قرر بعضهم الانتحار ، وفعلاً فقد قاموا بقطع شرايينهم بواسطة سكاكين حادة ، إلا أن أحداً منهم لم يمت !!

ثم عزموا أمرهم على الهروب بواسطة حفر نفق يقود إلى خارج المعتقل ...

وكذلك كان ، في قصة أشبه بالمعجزة قامت ( مليكة أوفقير ) بمساعدة بعض إخوتها بحفر نفق طويل بأدوات بسيطة جداً لا تتعدى الملاعق والسكاكين .. وشاء الله أن يغفل الحراس عن تدبيرهم وألا يلمحوا آثار الحفر الذي استمر مدة طويلة ...

وفعلاً فقد تم حفر النفق واستطاعت مليكة مع بعض إخواتها أن ينفذوا من خلاله إلى الخارج .. في حين بقيت أمها مع إخوة آخرين داخل السجن ...

.

ومن لطف الله بهم أن كلاب الحراسة لم تؤذهم رغم أنها لمحتهم وهم يزحفون خارج السجن ، ومن اللطف الخفي أيضاً أن الحراس لم ينتبهوا لأي حركة غريبة في الجوار ...

هام الهاربون على وجوههم وقد نسوا كيف هو شكل الحياة ، وحُق لهم ذلك بعد 15 سنة لم يشاهدوا فيها سوى الجدران المظلمة ...

استطاعوا الوصول إلى الدار البيضاء ، والتي تغير شكلها كثيراً بالنسبة لهم بعد 15 سنة من الغياب ... حاولوا الاتصال ببعض أصدقائهم القدماء دون جدوى ... فقد تغيرت أرقام الهواتف وتغيرت مقرات سكن الأصدقاء ...

استطاعوا أخيراً بعد جهد الاتصال ببعضهم ، فكان أن نبذوهم واحتقروهم وفروا منهم ، بسبب حالتهم المزرية التي كانوا عليها والتي كانت أشبه بالمتسولين والمعتوهين الموجودين عادة في قارعة الطريق ...

انتهى بهم المطاف إلى مدينة طنجة ، هناك حيث فوجئوا بحالة تأهب قصوى ودوريات شرطة مكثفة تبحث عن ( أربعة من المجرمين الهاربين من السجن ) .. وتم إلقاء القبض عليهم مجدداً بعد أن نجحوا في الاتصال بمحامٍ فرنسي ...

وكان هذا سنة 1987 م ..

.

جُمع شمل العائلة من جديد ، وانتشر خبرهم عند الصحافة العالمية .. غير أن إطلاق سراحهم بشكل نهائي لم يحن بعد ...

رفض الملك طلبهم بمغادرة البلاد والعيش في كندا .. بل أمر باصطحابهم إلى بيت فخم في مدينة مراكش ، وذلك للإقامة الجبرية إلى حين النظر في أمرهم ...

تغيرت سياسة الملك معهم في بيتهم الجديد في مدينة مراكش ، إذ لم يكن يُرفض لهم طلب ما عدا ( الحرية ) ... أما فيما يخص الأطعمة والأشربة والألبسة والكتب والأشرطة والأفلام ومتطلبات العيش فكلها أصبحت متاحة لهم من جديد دون قيود ...

استمروا على هذا الوضع مدة 5 سنوات .. قبل أن يجيء القرار الملكي بإطلاق سراحهم بشكل كامل ... بعد 20 سنة من المعاناة ضاعت فيها أعمار أسرة كاملة بسبب ذنب لم يرتكبوه !!

.

.

رغم ذلك ، استطاع أفراد عائلة ( أوفقير ) أن يستأنفوا قطار الحياة من جديد رغم التأخر ، ورغم الفجوة السوداء الشاسعة التي أتت على أجمل المراحل في أعمارهم ...

.

كُتبت رواية ( السجينة ) باللغة الفرنسية بواسطة الكاتبة التونسية ( ميشيل فيتوسي ) بعد عدة لقاءات أجرتها مع ( مليكة أوفقير ) قصّت عليها فيها تفاصيل ما مرت به ... كما هي عادة أدب السجون ..

ترجمتها إلى العربية بأسلوب رائع جداً غني بالمصطلحات والتعابير وخالٍ من الأخطاء ( غادة موسى الحسيني ) ..

.

مليكة أوفقير ليست وحدها من أصدرت رواية بخصوص المأساة ، بل ( سكينة أوفقير ) أيضاً أصدرت رواية تحكي فيها ما حدث من زاويتها الخاصة ، وكذلك ( رؤوف أوفقير ) أصدر رواية بدوره ...

.

.

بصراحة ، قراءتي لهذه الرواية ستظل من الذكريات المميزة في حياتي لكثرة ما استفدته منها من معلومات ودروس ..

غير أنني لا أنصح بقراءتها لـ ( ضعاف القلوب ) !!!

.

.

أرسل "السجينة ~" إلى Facebook أرسل "السجينة ~" إلى del.icio.us أرسل "السجينة ~" إلى StumbleUpon أرسل "السجينة ~" إلى Google

تم تحديثة 02-03-2012 في 22:23 بواسطة واثــقه بمبادئ

الكلمات الدلالية (Tags): غير محدد تعديل الدالاّت
التصنيفات
قراءات ~

التعليقات

  1. الصورة الرمزية الخاصة بـ Rama Primavera
    ملخص أشكرك جزيل الشكر عليه أخي أنس ، سمعت كثير من صديقاتي يتحدثن عنها ، نصحوني بها كثيراً ، لكن لم أقرأها ، محاولاتي الكثيرة في حب القراءه بائت بالفشل ، آبحث عن ملخصات في الغالب عن كتب أعجبتني لمعرفة محتواها من الملخص ، لكن حقيقة بعد قراءة ملخص هذه الرواية بإذن الله في أقرب فرصة أقرأها ،، و لنا عودة لمناقشتها ^_^
  2. الصورة الرمزية الخاصة بـ That's Me
    تلخيص خطير.. صراحة حمستني اقرأ الكتاب ..
    أين وجدتها ؟

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter