يؤخذ على الإنسان دقة التفاصيل في أمور عديدة
فهناك من يراها مجرد تضييع للوقت ومبذل للجهد فيمالاطائل فيه
وآخرون يجدونها نقطة تثير الاستعجاب لا الإعجاب بحد ذاته
لما !
فليْس من العيب يامسلم إن وجدت في نفسك التدقيق في تفاصيل الأمور
بل هو جانب قدير قويم
إن علمت أين وكيف تستخدمه كما في جوانب المفاضلة بين اثنين في الحصول على مكرمة من الأمر
.
.
.
لنتأمل في حال إمام المسجد
لدينا أربعة أحدهما شاب في أوج صلابته 38 سنة
وآخر شيخ كبير وقور تجاوز الخمسين
وغيرهم بين الأول والثاني , معلم في حديث , وآخر متخصص في التاريخ
دخلوا مسجدًا حين التقوا بأحد الندوات ، وحين حانت الصلاة من سيكون الإمام فيهم ؟
مع أنهم جميعًا حفظة للقرآن الكريم ألا وهي الوظيفة الأساسية المطلوبة هنا ... !
الآن دعونا نُلقي الضوء على حقيقة ومغزى طبع التفصيل والتدقيق عند الآدمي
يقول الله تعالى : [وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا]
كان على كل شيء حسيبا
تعالى جل وعلا فهو البصير الخبير المطلع على تفاصيل الأمور ومجملها الظاهر منها والخافي فلا تأخذه سنة ولا غفلة
وله المثل الأعلى والأتم
لكن البشر مهما دققوا من الأمور واستقصوا عن حقائق وصغائر واستنتجوا وحكموا فإنهم لن يشملوا كل شيء
ولكن يوفون بعملهم حق الاجتهاد فالاجتهاد خُلق كريم إن اتصف به الإنسان دل على حرصه على العدل والإيفاء
فإن الله تجاوز عن الخطأ والنسيان , ولكن لن نستهين ونستهتر في أفعالنا ونقف على ماليس لنا فيه علم ونقول إنه خطأ عفوي وأن بني آدم خطّاء بطبعه !
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "... ولو عودا من آراك"
ففيه يعذب المرء لو ظلم وأخذه بغير وجه حق
فما بالكم بأحكام فيها ملكيّات وفيها عائل وراعي وفيها حاجة وفيها تشرد وضياع
مابالكم بزج في السجن أو فقدان لسلامة عرض من آفة لسانٍ يرمي بالأحكام جزافًا واستهانة
والله لو علم ابن آدم واستحضر الخشية في كل فعل وقول لقلنا إن دنياهم سائرة للاعتدال
لكن سلام عليها فما حملت الآن سوى مستهينين ظنوا في كل أمر استصغار
فعظموا عرق جبينهم ليُغرق فكرهم واستشعارهم بقلوب الآخرين
فاغتروا بصنيع ونسوا آخر فما فعلوا بعدئذٍ !
وجه الله سبحانه في الآية السابقة جانبًا دقيقًا يُعنى بحسبة القول في رد التحايا
فأمر جل وعلا بالعدل وهو رد السلام كما ألقي عليك وهذا واجب أو الإحسان وهو الزيادة كمن يُلقي لك بـ[السلام عليكم]
فترد عليه بإحسان وتقول وعليكم السلام ورحمة الله فكنت قد زدته في قولك "رحمة الله"
أو تبلغ أتمه إن رددت السلام كله متبوعا بالبركات أن "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
همسة : صدقوني أخوتي لو حرص كل امرءٍ أن يرد الجميل بمثله أو يزيد لما طغى الشح ولا ساد الإحباط ولعم العرفان والإحسان وتنافس الناس على كل خير
لا أخفيكم أنه اقشعر بدني قبيل سنوات حين علمت من معلم ذكر أن كبائر الذنوب وعدد منها العقوق ، الزنا ، القتل والسحر ونحو ذلك
ثم تلاه بسؤال إذًا ماصغائر الذنوب ؟
فقال عدم رد السلام وعدم تشميت العاطس ونحوها !
سبحان الله ، كم أذنبنا ونحن في غفلة
وفي ذلك يتجلى ذكر الله وإخلاص المرء لدينه وإسلامه أن يقيس جميع أقواله وحروفه ، خطواته وأفعاله ليرى ماموقعها من الشرع وماذا قال الإسلام فيها ...
فيسعى ليطبق النهج القويم في كل شيء وفي أحسن صورة قدر استطاعته ؛ وهكذا يصنف العباد في أجر وثقل الميزان
أي بقدرما غلفتك الغفلة بقدرما أضعت فرصة إثقال الميزان
وبقدرما تذكرت بقدرما جنيت من الأجر والله يضاعف لمن يشاء.
نعود لعرض جواب المفاضلة فيمن يتولى إمامة المسلمين في صلاتهم ممن سبق عرضهم :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ،
فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا ،
وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) رواه مسلم
وقد اجتهد فقهاؤنا في فهم الحديث والقياس عليه، فخلصوا إلى ترتيب الأَولى بالإمامة على الوجه الآتي:
"أولى الناس بالإمامة الأفقه، ثم الأقرأ، ثم الأورع، ثم الأقدم هجرة وولده، ثم الأسن في الإسلام، ثم النسيب، ثم الأحسن سيرة
ثم الأحسنُ ذِكْرًا، ثم الأنظف بدنا وثوبا، ثم الأحسن صوتا، ثم الأحسن صورة
فمتى وجد واحد من هؤلاء قدم، وإن اجتمعوا أو بعضهم رتبوا هكذا، فإن استويا وتشاحا أقرع"
انتهى الأمر بقرعة ومن أندر الندرة أن يتساوى اثنان في كل أمورهم ! مع ذلك خُتم القول بعدل
نستنتج أن العِلم يُثقل من كفة الأجر والتفضيل
فلا تشفع كثرة دون عمق
ولا يُجدي ترداد دون فقه
ولا يُنحنى لعُمُرٍ دون سبق في الخير والإحسان
نسأل الله أن يمنّ علينا بالعدل والحق والاجتهاد في سائر أمور حياتنا
لامغرورين ولا مغترين بأنفسنا ، ولا مستهينين ومستيسرين لكبيرة ولا لصغيرة
اسم الكاتبة : lost light اسم الناشرة:Leiria



هذه الأخطاء تعيق اتمام العملية