
بسم الله الرحمـنِ الرحيـمِالحمد لله ما غردَ بلبلٌ وصَدَح ، وما اهتدَى قلبٌ وانشرح ، وما عَمَّ فينا سرورٌ وفرح، الحمدُ لله ما ارتفعَ نورُ الحقِّ وظهر، وما تراجعَ الباطلُ وتقهقر، وما سَالَ نبعُ ماءٍ وتفجر ، وما طلعً صُبحٌ واسْفر ، وصلاةً وسلاماً طيبينَ مباركينَ على النبيِّ المُطهر ، صاحبِ الوجهِ الأنور ، والجبينِ الأزهر ، ما سارَ سفيرُ للحقِّ وأبحر، وما على نجمٌ في السماءِ وأبهر ،وعلى ألهِ وصحبهِ خيرِ أهلٍ ومَعشر ، صلاةً وسلاماً إلى يومِ البعثِ والمَحشر .
وبعد ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
إخوتي تأملوا قول الله تعالى : { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } " ق - الآية 18 " .
فيقول محمد الشوكاني، أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة وفقهائها في تفسير هذه الآية : أي ما يتكلم من كلام فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه، أي ذلك اللافظ، رقيب، أي ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال.
وبالتأكيد جميعنا نذكر قول الشاعر:
وما من كـاتب إلا ويفنى .... ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
فلا تكتب بخطك غير شيء .... يسرك في القيامة أن تراه .
فهل جميعنا نضع هذه الآية نُصب أعيننا إذا ما أقدمنا على فعل معين ؟ الكثير منا يغفل صغائر الأمور ، فكلمة من هنا و أخرى هناك لا نلقِ لها بالا ، وننساها سريعا ، و لكن ننسى أيضا أن هناكَ ملكين مكلفين بنا لا يغفلون أو يخطئون .. وكلهم الله بتسجيل كبيرة وصغيرة عنا .
إن رحمة الله واسعة ، وسعت ْ جميع خلقه ، و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي وصححه ابن القيم وحسنه الألباني .
إن في هذا الحديث القدُسي حث على الاستغفار وإن عظمت الذنوب ، و قال الله تعالى :{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33}. [ سورة الأنفال: الآية 33] .
ولكن ألا ينقطع الاستغفار و التوبة وكل عمل الإنسان لحظة موته ؟ هل يكون بمقدور الإنسان أن يتوب و يستغفر وهو راقد في جنباتِ قبرهِ بين طياتِ التراب ؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعوا له ) رواه مسلم .
فيا سرور المسلم و غبطته وقد ترك في الدنيا ما يصله ثوابه وهو في مستقره الأخير إلى يوم الدين ، ويا شقاء المسلم إذا ما ترك في الدنيا ما يصله إثمه إلى يوم الدين ، إخوتي .. هذه هي السيئات الجارية .
لنتوقف بضع ثوان نتذكر فيها ما مضى ، هل حدث و ارتكبنا مثل هذه السيئات فيما سبق ؟ تحدث المواقف و المناسبات و نرسل فيها مختلف الصور و الخطابات للآخرين ، أكان بينهم صورة يُحرم نشرها شرعا ؟ أكان بينها مقطع موسيقي ؟ .
و كم لنا من هوايات و كل منا يبرع فيما أعطاه الله و حباه من المميزات ، هل بيننا من رسم صورة لذاتِ روح وانتشرت ؟ هل فينا من كتب قصة أو نحوها تحتوي على مخالفات شرعية و نشرها ؟ .
من خلال المواقع الإلكترونية ، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي ، أرى كثيرا من تلك الصور ، القصص ، المواقف ، و التهاني ، التي تحمل مخالفات شرعية صريحة ؛ ويكون الاعجاب عليها بالمئات و لا يكلف نشرها إلا كبسة زر ..
تنتشر مرة وعدة مئات من المرات خلال وقت قصير .. هل فكر صاحبها في الإثم الذي تجلبه له بطولِ الزمن ؟ قد تكون – أو كما يضن في نفسه – أنها زلة صغيرة وأنه كثير الاستغفار و أن الحسنة تمحو السيئة ، لكن ماذا بعد وفاتك ؟ .
هل ضمتَ أنها لن تنشر أكثر وألا يصلك أذاها بعد الآن ؟ في هذا الأمر أحببت التنبيه ، تنبيهكم وقبل ذلك أنبه نفسي إلى هذا الشأن ، فأنا و أغلبنا – إلا من وقاه الله – ترك شيئا من هذا فيما مضى ، سواء كان ذلك جهلا منه أو ربما الاهمال ، فالنفس أمارة بالسوء – إلا من رحم ربي – وقد تسول لنا أنفسنا التهاون في هذا الأمر .
وينتهي الحال بنا بسيئات تتراكم حتى يوم الدين ، وحسرتاه إذا ما كُنا في قبورنا و تصلنا سيئاتنا مما اقترفت ايدينا وسولت أنفسنا ونحن عاجزون عن إيقافها أو حتى الاستغفار و تكفير تلك السيئات .
إخوتي لا يغرنك صغر الذنب ، بل أنظر إلى عظمة من عصيت ، وإنه مهما كان الذنب الذي اقترفته صغيرا فأنت لا تدري متى تموت ، وإلى متى ستظل قابعا في قبرك ؟ وكم الزمن الذي سينقضي قبل قيامِ القيامة .. قد يطول سنوات و سنوات و تتراكم ذنوبك الصغيرة فيها لتملأ صحيفتك .
أسأل الله أن يهديني وإياكم ، ويغفر لنا ولكم ، وأدعو الله أن نكون من أصحاب اليمين الذين قال فيهم الله تعالى:{ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) }.[ الواقعة ، الآيات 27-34 ]
هنا أتوقف و أترككم مستودعة الله إياكم ..
ومعتذرة إن أطلت أو أثقلت .. وأرجو ألا أكون قد فعلت ، إذ أنه أولى مشاركاتي في هذا القسم الكريم .
والسلام عليكم ورحمة الله ، والصلاة والسلامُ على رسولِ الله .
اسم الكاتبة :white dream اسم الناشرة:Leiria



هذه الأخطاء تعيق اتمام العملية