SoliDaD
14-01-2002, 17:08
" في تلك البلدة الصغيرة وفي ذ لك الحي الصغير وسط ذا لك البيت الجميل عاشت تلك الأسرة السعيدة والمكونة من ثلاث بنات وأربعة من الأولاد :ع, وائل,أ,ع.
وكان هذا المنزل ما هو سوى جزء صغير من تلك العائلة العريقة الجذور والكبيرة من ناحية الأهل والأقارب والأنساب وكانت منازل هذه العائلة كلها متجاورة بالقرب من بعضها البعض, أطفالهم يلعبون ويمرحون سويا ,الأهل يتزاورون دائما,اجتماعات أسبوعيه ,رحلات بريه وبحريه,عمره سنوية خلال شهر رمضان المبارك ……..الخ .
في هذه الأسرة عاش الابن وائل و الذي كان الشعلة المضيئة لذاك الحي والشمس المشرقة لتلك الأسرة والعطر الفواح لكل من حوله والمرأة السحرية التي تعكس صورة الحياة بشكل اجمل,لقد كان وائل يتمتع بكل معاني الشقاوة المشوبة بخفة الدم المعطرة بالابتسامات الحلوة لقد كان حديث الأسرة بكاملها ففي كل لقاء تجتمع فيه تلك الأسرة لابد أن يكون ل وائل نصيب في حديثهم يذ كرون فيه آخر مقالبه وأخر مواقفه المضحكة وطرقه في الهروب من المواقف الحرجة.
ولكن كان هناك ما يقلق تلك الأسرة وخاصة والديه فلقد كان وائل يشكو من مشكلة في الكبد والطحال منذ ولادته وقد ابلغهم أحد الأطباء أن طفلهم وائل لن يعيش اكثر من 14 او15 سنه وأن الأمل بالله سبحانه وتعالى ,كتم والدا (وائل) ووالدته الأمر في أنفسهم وتعلقوا بتلك القشة الصغيرة والمكتوب عليها (بصيص من الأمل),ضل والد وائل يبحث عن العلاج مراجعات شهريه ومواعيد وسفر لمدن أخرى داخل الوطن حوالي 12 سنه ,كلما كبر وائل اقترب الموعد الذي ذكره الطبيب وازدادت مخاوف الوالدين وبداء المرض يستفحل لديه وبدأت ملامح المرض تظهر عليه اكثر فاكثر , اصفرار في العينين ,صعوبة في الحركة مع عدم القدرة على اللعب كما السابق خمول في الجسم مع عدم الرغبة في الأكل , اصبح وائل عاجز تقريبا ولكن والده لم ييئس وكان عنده أمل كبير بالله سبحانه وتعالى, وحدث ما لم يكن في الحسبان اكتشف الأب أن ابنه(ع)الذي يكبر وائل ب3سنوات يحمل نفس المرض ولكنه اقل بنسبة كبيره من مرض وائل.
فقرر الأب أن يرفع أوراقه للمسئولين ويطالب برحلة علاجية للخارج لكي ينقذ أبناءه من هذا المرض وبعد فترة من الزمن وإذا بذلك البريق الساطع من الأمل الذي لمع له نعم لقد أتت الموافقة بالرحلة مدعومة بجميع التكاليف وتقرر موعد الرحلة ,لقد فرحنا جميعا وطار أبواه وأسرته من الفرح وحمدا الله سبحانه وتعالى وأحسا بان الله سيعوضهم عن صبرهم كل هذه السنين خير.
اقترب موعد الرحلة والسفر((لا أزال اذكر صوت وائل عندما قال :سأذهب إلى أمريكا وارجع معافى))ومع اقتراب الموعد زادت أوجاع وائل وازدادت حالته سواء اكثر فاكثر حتى انه توقف عن الذهاب للمدرسة واصبح طريح الفراش, يا الهي!وكان المرض وموعد الرحلة في سباق زمني الكل منهما يريد أن يسبق الأخر ,بقي أسبوع واحد على موعد الرحلة نعم أسبوع فقط لا أزال اذكره واذكر كيف كنا ندعو الله أن يعجل ويمر الأسبوع بخير ,لازلت اذكر كيف كان وائل خلال هذا الأسبوع وطوال تلك الأيام ممسكا بأخيه ذو السنة والنصف ومجلسه في حجره لفترة طويلة ويكثر من تقبيله ومداعبته وكأنه يريد أن يشبع نفسه منه وأن يودعه الوداع الأخير ,مرة أربعة أيام من هذا الأسبوع ولم يبقى سوى القليل على موعد الرحلة,وفي تلك الليلة ومع دقة الساعة الثانية ليِِِلاً ازدادت آلام وائل وتغيرت ملامحه وضعفت دقات قلبه فأستيقظ الأب الذي كان لا يفارق ابنه تلك الأيام وينام بالقرب منه وهرع مسرعا وحمل ابنه بالسيارة والذي كان أشبه بجثة هامدة وكان شاحب الوجه شديد صفار العينين وانطلق به متجها لمدينة الرياض حيث هناك المستشفى الذي كان وائل يتلقى علاجه فيه (حوالي 400كيلو متر عن مدينتنا) , تم إدخال وائل للمستشفى ووضع تحت العناية المركزة وتحت تلك الأجهزة المعقدة ويمر اليوم الأول والثاني والثالث والرابع ويأتي اليوم الذي كان مقرر لسفر ولكن هيهات فلقد توقفت الكبد عن العمل وكذلك الكلى واصبح القلب لا يعمل سوى بالأجهزة فقط .
مرة حوالي ستة أيام وذهب جد وائل وعمه للرياض لكي يؤازروا والد وائل ويقفو معه في محنته تلك,وكأنهم ينظرون وفات وائل ليرجعوا به.
لم اعلم بهذه الأحداث التي حدثت في تلك الأيام الستة سوى في اليوم السادس ليلاً ,وفي اليوم السابع وبالتحديد في الساعة التاسعة والنصف صباحاً استيقظت من نومي على غير العادة وفوراً مددت يدي إلى تلك الطاولة الصغيرة المحاذية لسريري وأمسكت بهاتفي المحمول(الجوال)واتصلت على والد وائل فرد علي بسرعة وقال:أهلاً بدر(وكان صوته طبيعيا) فقلت له كيف حالك وحال وائل فاخبرني أن وائل في حالة جيده وقد تحسن قليل ففرحت لذلك فقد كنت احب وائل كثير ,ثم عاتبته وقلت له لماذا لم تخبرني بما حصل ولم تطلب مني أن اذهب معك للرياض فأنت مثل أبي ووائل اكثر من أخي الصغير وأنت تعلم أنني في إجازة فرد وقال لا بأس لم أرد إزعاج أحد وقد أتى عمه وجده هنا وهذا يكفي فقلت له اليوم أنا أسافر لكم فطلب مني أن لا افعل واخبرني أن الوضع جيد وانه لو احتاج لي فلن يتردد بالأتصال علي وانه لاداعا لذهابي ,ودعته وأقفلت الهاتف,حاولت أن أعود للنوم فلم استطع وبعد حمام دافئ بدلت ملابسي ونزلت للدور الأول وهناك كانت تجلس زوجة أخي الأكبر(شقيقة وائل) فأخبرتها بالحوار الذي دار بيني وبين أبيها وان أخاها في تحسن ففرحت كثير وحمدت الله عز وجل ,وبعد الظهر تناولت وجبة الغداء وانطلقت متجها نحو الاستراحة الخاصة بي وبأصحابي (أصحابي كلهم ابنا عم وهم من نفس العائلة التي ينتمي لها وائل كلنا أهل وانساب),ولما وصلت لم يكن هناك سوى أحد أصدقائي(ع) أطفأت سيارتي ودخلت الاستراحة وأنا مبتهج وفرح بما قال لي والد وائل وسلمت على صديقي وكان هاتفه الجوال في أذنه فلم يرد علي ,جلست بقربه ولما انتهى من مكالمته هممت وبادرة لكي اخبره بهذا الخبر السار فلقد كان الجميع يتابع أخبار وائل وما يستجد عنه ولكنه سبقني والتفت لي وبتلك النظرة في عينيه التي لن أنساها وقال لي بصوت أجش و بهذه الجملة : وائل ... أبن فلان مـــــــــــــــــــــــــــات, صعقت من هذه الجملة توقفت الكلمات في داخلي لم استطع أن أتفوه بحرف واحد ذهلت من هول ما سمعته معقول قبل ساعات قليلة كان والده يطمئنني عليه,اخبرني أن عم وائل كان معه على الهاتف واخبره بما حدث .
الكلمة الوحيدة التي قلتها هي : إنا لله وإنا إليه لراجعون , سكت وسكت هو أيضا واصبح الصمت والهدوء هما سيدا المكان ,أخذت أفكاري والذكريات الجميلة مع ذلك الصبي تحلق أمامي وصورته الجميلة أمام عيني وكأني أراه وهو مبتسم, وهو يضحك, وهو راكب دراجته, وهو يناديني باسمي ,حتى قطع حبل أفكاري وبعد نصف ساعة تقريبا رنين هاتفي المحمول أخرجته من جيبي ونضرت للرقم وإذا به رقم المنزل فتحت الهاتف وقلت نعم فإذا هي والدتي وبصوت مرتعش تقول لي:أين أنت ,أنا في البر,تعال لي بسرعة أريد أن توصلني لبيت فلان ((تقصد منزل والد وائل)) بسرعة بسرعة ألم تعلم بما حدث ,قلت بلى أنا قادم لك ألان ,أقفلت الهاتف ونهضة مسرعا ركبت السيارة وانطلقت بها مسرعا والحزن يعصر قلبي , وصلة المنزل وما أن سمعت أمي صوت السيارة حتى خرجت مسرعة وركبت معي وكانت متوترة وقالت هيا اذهب بسرعة , وفي الطريق أخبرتني بأن أخي وزوجته خرجا مسرعين من البيت ولما سألتهما ماذا حدث اخبراها بأنهما تلقى مكالمة من بيت وائل ولم يفهما ما حدث ,فقط سمعت زوجة أخي من أختها وهي تبكي(تعالوا لنا بسرعة أرجوكم), ولقد فهمت أمي الموضوع , وصلت إلى بيت وائل وهناك كانت لي الصدمة والضربة القاسية , لقد كان أمام البيت عدد كبير من الأطفال تجمعوا بدراجاتهم الهوائية أمام باب المنزل عندما سمعوا بخبر وفات صديقهم وائل نزلت أمي ودخلت البيت ومشيت أنا بعض الأمتار بالسيارة وفجأة سمعت صوت أحد الأطفال وهو يقول : أنا لا أصدق أن وائل مات انتم تكذبون, تأثرت بكلماته إنها كلمات نابعة من قلب صبي صغير تأبى أفكاره ومخيلته أن تصدق أن صديقه الذي كان بالأمس القريب يلعب معه ويضحك ويمرح قد مات ,كان بيت وائل يقع على شارعين فلما استدرت بالسيارة نحو الجهة الأخرى من المنزل رأيت ذلك المشهد العجيب.. .. .. .. يا الهي ما هذا .. .. .!!!!!
انه أحد اصدقا وائل انه يبكي بشدة وحرقة وكان يجهش بالبكاء وقد جلس على ارض الشارع ونزلت دموعه الحارة على الأرض لم أتحمل ذلك توقفت بالسيارة وفتحت الباب لكي انزل و أواسي ذلك الطفل المسكين ولكني لم استطع فقد خنقتني العبرة ونزلت الدموع من عيني وأصبحت محتاج لمن يواسيني وذلك من هول ذلك المنظر فهو موقف ليس بالهين وخصوص على شخص عاطفي مثلي ,أغلقت باب السيارة وانطلقت للبيت وأنا ابكي ,دخلت المنزل وبسرعة توضأت وبدلت ملابسي وخرجت متوجها للمقبرة حيث هناك بعض الأقارب والأصحاب يقومون بحفر القبر وتجهيز مكان غسيل ا لميت توجهت لداخل المقبرة حيث كان الجميع هناك نظرت إليهم وهم يضربون الأرض ليخرجوا التراب وكأنهم يضربون في صميم قلبي , أخذت انضر إلى تلك الوجوه الكل في صمت الجميع شاحب الوجه لا أحد يتكلم فقط الكل ينتظر دوره في الحفر نضرت للقبر وهو يزداد عمقا شياً فشياً وقلت في نفسي يا الهي هل فعلاً سيدفن اليوم هنا وائل هل هو فعل ذ لك الابن ذو13 عاما الذي كان ينتهز الفرص عندما انزل من سيارتي ليقفز فيها ويتظاهر بقيادتها ,هل هو ذلك الطفل الذي كان يحب أن أمازحه دوما ,هل هو حقا من قال لي مرات عديدة ليتك تصبح أخي الأكبر . . . .. أه بكل أسف نعم ولا أحد غيره , التفت عن يميني ونظرت إلى ذ لك القبر المجاور لمنزل وائل الجديد ,يا ربي!! انه قبر فلأنه والدة فلان لقد دفنت قبل أسبوع بعد عمر يناهز (110عاما) وهذا قبر وائل الذي لم يكمل الثالثة عشر من عمره مجاوراً لقبرها, تذكرت هنا واستدركت أن الموت لا يعرف صغير ولا كبيرا.رفعت بصري من على القبرين والتفت إلى اليسار تجاه بوابة دخول المقبرة ويا ليتني لم انظر
يا الله !!.. .. ما هذا!!!!! نعم انهم أصحاب وائل قد أتوا بكل برأة الطفولة وبكل معاني الصداقة الصغيرة التي تحملها نفوسهم الطاهرة آتو ولسان حالهم يقول :نحن هنا يا وائل سنبقى بقربك حتى أخر لحظه ولن تبعدك عنا تلك الحفرة العميقة ابدآ فحبك المحفور في قلوبنا اعمق وصورت ابتسامتك ستبقى لنا دوماً هي الأجمل ودوماً سيَظل صوتك هو الأعذب .
أحسست بوفائهم لصديقهم وبصدق مشاعرهم فهم أطفال لا يعرفون المجاملة أو النفاق((ليتنا نخلص مثلهم)),لقد كان منظر دخولهم للمقبرة وتلك النظرات في عينيهم بالنسبة لي اعظم لوحة فنية رأيتها في حياتي اختلط فيها لون الطفولة بلون الحزن ليخرج لنا لون الوفاء الحقيقي ,هذه اللوحة المليئة بالمعاني الحزينة والمعاني الصادقة , بل هي اعظم قصيدة رثاء نقشت على وجوههم وكتبت أبياتها بدموعهم , كان الموقف صعب بالنسبة لي خرجت بل أقول هربت مسرعا من المقبرة وذهبت تجاه المكان المخصص لتغسيل الميت , تفقدت المكان ولوازم التغسيل والطيب كل شيء كان على ما يرام , جلسنا ننتظر وصول الجنازة فهم في الطريق ولم يبقى لهم سوى دقائق قليلة , وقفت عند باب المغسل أنا واحد الأقارب وبينما نحن كذلك أتت سيارة وتوقفت أمامي وإذا هو أحد أقارب وائل فأنزل النافذة ونظر لي بتعجب وقال ما بكم , أدركت أنه لا يعلم بما حدث ,انه ابن عمته وصديقه الدائم كيف اخبره بما حصل
لم استطع أن أتفوه بحرف واحد نظرت لمن كان بجانبي, أعاد الولد السؤال بنبرة صوت أعلى فأجابه من كان معي وقال:وائل قد توفي . فقال الولد :وائل من ,فرد عليه:ابن خالك , تغيرت ملامح وجهه والتفت نحوي فلم استطع أن أنظر إليه , أدرت ظهري له ولم اسمع أي صوت أخر غير صوت إطارات سيارته فلقد انطلق بسرعة من هول وقع الصدمة عليه .
وكان هذا المنزل ما هو سوى جزء صغير من تلك العائلة العريقة الجذور والكبيرة من ناحية الأهل والأقارب والأنساب وكانت منازل هذه العائلة كلها متجاورة بالقرب من بعضها البعض, أطفالهم يلعبون ويمرحون سويا ,الأهل يتزاورون دائما,اجتماعات أسبوعيه ,رحلات بريه وبحريه,عمره سنوية خلال شهر رمضان المبارك ……..الخ .
في هذه الأسرة عاش الابن وائل و الذي كان الشعلة المضيئة لذاك الحي والشمس المشرقة لتلك الأسرة والعطر الفواح لكل من حوله والمرأة السحرية التي تعكس صورة الحياة بشكل اجمل,لقد كان وائل يتمتع بكل معاني الشقاوة المشوبة بخفة الدم المعطرة بالابتسامات الحلوة لقد كان حديث الأسرة بكاملها ففي كل لقاء تجتمع فيه تلك الأسرة لابد أن يكون ل وائل نصيب في حديثهم يذ كرون فيه آخر مقالبه وأخر مواقفه المضحكة وطرقه في الهروب من المواقف الحرجة.
ولكن كان هناك ما يقلق تلك الأسرة وخاصة والديه فلقد كان وائل يشكو من مشكلة في الكبد والطحال منذ ولادته وقد ابلغهم أحد الأطباء أن طفلهم وائل لن يعيش اكثر من 14 او15 سنه وأن الأمل بالله سبحانه وتعالى ,كتم والدا (وائل) ووالدته الأمر في أنفسهم وتعلقوا بتلك القشة الصغيرة والمكتوب عليها (بصيص من الأمل),ضل والد وائل يبحث عن العلاج مراجعات شهريه ومواعيد وسفر لمدن أخرى داخل الوطن حوالي 12 سنه ,كلما كبر وائل اقترب الموعد الذي ذكره الطبيب وازدادت مخاوف الوالدين وبداء المرض يستفحل لديه وبدأت ملامح المرض تظهر عليه اكثر فاكثر , اصفرار في العينين ,صعوبة في الحركة مع عدم القدرة على اللعب كما السابق خمول في الجسم مع عدم الرغبة في الأكل , اصبح وائل عاجز تقريبا ولكن والده لم ييئس وكان عنده أمل كبير بالله سبحانه وتعالى, وحدث ما لم يكن في الحسبان اكتشف الأب أن ابنه(ع)الذي يكبر وائل ب3سنوات يحمل نفس المرض ولكنه اقل بنسبة كبيره من مرض وائل.
فقرر الأب أن يرفع أوراقه للمسئولين ويطالب برحلة علاجية للخارج لكي ينقذ أبناءه من هذا المرض وبعد فترة من الزمن وإذا بذلك البريق الساطع من الأمل الذي لمع له نعم لقد أتت الموافقة بالرحلة مدعومة بجميع التكاليف وتقرر موعد الرحلة ,لقد فرحنا جميعا وطار أبواه وأسرته من الفرح وحمدا الله سبحانه وتعالى وأحسا بان الله سيعوضهم عن صبرهم كل هذه السنين خير.
اقترب موعد الرحلة والسفر((لا أزال اذكر صوت وائل عندما قال :سأذهب إلى أمريكا وارجع معافى))ومع اقتراب الموعد زادت أوجاع وائل وازدادت حالته سواء اكثر فاكثر حتى انه توقف عن الذهاب للمدرسة واصبح طريح الفراش, يا الهي!وكان المرض وموعد الرحلة في سباق زمني الكل منهما يريد أن يسبق الأخر ,بقي أسبوع واحد على موعد الرحلة نعم أسبوع فقط لا أزال اذكره واذكر كيف كنا ندعو الله أن يعجل ويمر الأسبوع بخير ,لازلت اذكر كيف كان وائل خلال هذا الأسبوع وطوال تلك الأيام ممسكا بأخيه ذو السنة والنصف ومجلسه في حجره لفترة طويلة ويكثر من تقبيله ومداعبته وكأنه يريد أن يشبع نفسه منه وأن يودعه الوداع الأخير ,مرة أربعة أيام من هذا الأسبوع ولم يبقى سوى القليل على موعد الرحلة,وفي تلك الليلة ومع دقة الساعة الثانية ليِِِلاً ازدادت آلام وائل وتغيرت ملامحه وضعفت دقات قلبه فأستيقظ الأب الذي كان لا يفارق ابنه تلك الأيام وينام بالقرب منه وهرع مسرعا وحمل ابنه بالسيارة والذي كان أشبه بجثة هامدة وكان شاحب الوجه شديد صفار العينين وانطلق به متجها لمدينة الرياض حيث هناك المستشفى الذي كان وائل يتلقى علاجه فيه (حوالي 400كيلو متر عن مدينتنا) , تم إدخال وائل للمستشفى ووضع تحت العناية المركزة وتحت تلك الأجهزة المعقدة ويمر اليوم الأول والثاني والثالث والرابع ويأتي اليوم الذي كان مقرر لسفر ولكن هيهات فلقد توقفت الكبد عن العمل وكذلك الكلى واصبح القلب لا يعمل سوى بالأجهزة فقط .
مرة حوالي ستة أيام وذهب جد وائل وعمه للرياض لكي يؤازروا والد وائل ويقفو معه في محنته تلك,وكأنهم ينظرون وفات وائل ليرجعوا به.
لم اعلم بهذه الأحداث التي حدثت في تلك الأيام الستة سوى في اليوم السادس ليلاً ,وفي اليوم السابع وبالتحديد في الساعة التاسعة والنصف صباحاً استيقظت من نومي على غير العادة وفوراً مددت يدي إلى تلك الطاولة الصغيرة المحاذية لسريري وأمسكت بهاتفي المحمول(الجوال)واتصلت على والد وائل فرد علي بسرعة وقال:أهلاً بدر(وكان صوته طبيعيا) فقلت له كيف حالك وحال وائل فاخبرني أن وائل في حالة جيده وقد تحسن قليل ففرحت لذلك فقد كنت احب وائل كثير ,ثم عاتبته وقلت له لماذا لم تخبرني بما حصل ولم تطلب مني أن اذهب معك للرياض فأنت مثل أبي ووائل اكثر من أخي الصغير وأنت تعلم أنني في إجازة فرد وقال لا بأس لم أرد إزعاج أحد وقد أتى عمه وجده هنا وهذا يكفي فقلت له اليوم أنا أسافر لكم فطلب مني أن لا افعل واخبرني أن الوضع جيد وانه لو احتاج لي فلن يتردد بالأتصال علي وانه لاداعا لذهابي ,ودعته وأقفلت الهاتف,حاولت أن أعود للنوم فلم استطع وبعد حمام دافئ بدلت ملابسي ونزلت للدور الأول وهناك كانت تجلس زوجة أخي الأكبر(شقيقة وائل) فأخبرتها بالحوار الذي دار بيني وبين أبيها وان أخاها في تحسن ففرحت كثير وحمدت الله عز وجل ,وبعد الظهر تناولت وجبة الغداء وانطلقت متجها نحو الاستراحة الخاصة بي وبأصحابي (أصحابي كلهم ابنا عم وهم من نفس العائلة التي ينتمي لها وائل كلنا أهل وانساب),ولما وصلت لم يكن هناك سوى أحد أصدقائي(ع) أطفأت سيارتي ودخلت الاستراحة وأنا مبتهج وفرح بما قال لي والد وائل وسلمت على صديقي وكان هاتفه الجوال في أذنه فلم يرد علي ,جلست بقربه ولما انتهى من مكالمته هممت وبادرة لكي اخبره بهذا الخبر السار فلقد كان الجميع يتابع أخبار وائل وما يستجد عنه ولكنه سبقني والتفت لي وبتلك النظرة في عينيه التي لن أنساها وقال لي بصوت أجش و بهذه الجملة : وائل ... أبن فلان مـــــــــــــــــــــــــــات, صعقت من هذه الجملة توقفت الكلمات في داخلي لم استطع أن أتفوه بحرف واحد ذهلت من هول ما سمعته معقول قبل ساعات قليلة كان والده يطمئنني عليه,اخبرني أن عم وائل كان معه على الهاتف واخبره بما حدث .
الكلمة الوحيدة التي قلتها هي : إنا لله وإنا إليه لراجعون , سكت وسكت هو أيضا واصبح الصمت والهدوء هما سيدا المكان ,أخذت أفكاري والذكريات الجميلة مع ذلك الصبي تحلق أمامي وصورته الجميلة أمام عيني وكأني أراه وهو مبتسم, وهو يضحك, وهو راكب دراجته, وهو يناديني باسمي ,حتى قطع حبل أفكاري وبعد نصف ساعة تقريبا رنين هاتفي المحمول أخرجته من جيبي ونضرت للرقم وإذا به رقم المنزل فتحت الهاتف وقلت نعم فإذا هي والدتي وبصوت مرتعش تقول لي:أين أنت ,أنا في البر,تعال لي بسرعة أريد أن توصلني لبيت فلان ((تقصد منزل والد وائل)) بسرعة بسرعة ألم تعلم بما حدث ,قلت بلى أنا قادم لك ألان ,أقفلت الهاتف ونهضة مسرعا ركبت السيارة وانطلقت بها مسرعا والحزن يعصر قلبي , وصلة المنزل وما أن سمعت أمي صوت السيارة حتى خرجت مسرعة وركبت معي وكانت متوترة وقالت هيا اذهب بسرعة , وفي الطريق أخبرتني بأن أخي وزوجته خرجا مسرعين من البيت ولما سألتهما ماذا حدث اخبراها بأنهما تلقى مكالمة من بيت وائل ولم يفهما ما حدث ,فقط سمعت زوجة أخي من أختها وهي تبكي(تعالوا لنا بسرعة أرجوكم), ولقد فهمت أمي الموضوع , وصلت إلى بيت وائل وهناك كانت لي الصدمة والضربة القاسية , لقد كان أمام البيت عدد كبير من الأطفال تجمعوا بدراجاتهم الهوائية أمام باب المنزل عندما سمعوا بخبر وفات صديقهم وائل نزلت أمي ودخلت البيت ومشيت أنا بعض الأمتار بالسيارة وفجأة سمعت صوت أحد الأطفال وهو يقول : أنا لا أصدق أن وائل مات انتم تكذبون, تأثرت بكلماته إنها كلمات نابعة من قلب صبي صغير تأبى أفكاره ومخيلته أن تصدق أن صديقه الذي كان بالأمس القريب يلعب معه ويضحك ويمرح قد مات ,كان بيت وائل يقع على شارعين فلما استدرت بالسيارة نحو الجهة الأخرى من المنزل رأيت ذلك المشهد العجيب.. .. .. .. يا الهي ما هذا .. .. .!!!!!
انه أحد اصدقا وائل انه يبكي بشدة وحرقة وكان يجهش بالبكاء وقد جلس على ارض الشارع ونزلت دموعه الحارة على الأرض لم أتحمل ذلك توقفت بالسيارة وفتحت الباب لكي انزل و أواسي ذلك الطفل المسكين ولكني لم استطع فقد خنقتني العبرة ونزلت الدموع من عيني وأصبحت محتاج لمن يواسيني وذلك من هول ذلك المنظر فهو موقف ليس بالهين وخصوص على شخص عاطفي مثلي ,أغلقت باب السيارة وانطلقت للبيت وأنا ابكي ,دخلت المنزل وبسرعة توضأت وبدلت ملابسي وخرجت متوجها للمقبرة حيث هناك بعض الأقارب والأصحاب يقومون بحفر القبر وتجهيز مكان غسيل ا لميت توجهت لداخل المقبرة حيث كان الجميع هناك نظرت إليهم وهم يضربون الأرض ليخرجوا التراب وكأنهم يضربون في صميم قلبي , أخذت انضر إلى تلك الوجوه الكل في صمت الجميع شاحب الوجه لا أحد يتكلم فقط الكل ينتظر دوره في الحفر نضرت للقبر وهو يزداد عمقا شياً فشياً وقلت في نفسي يا الهي هل فعلاً سيدفن اليوم هنا وائل هل هو فعل ذ لك الابن ذو13 عاما الذي كان ينتهز الفرص عندما انزل من سيارتي ليقفز فيها ويتظاهر بقيادتها ,هل هو ذلك الطفل الذي كان يحب أن أمازحه دوما ,هل هو حقا من قال لي مرات عديدة ليتك تصبح أخي الأكبر . . . .. أه بكل أسف نعم ولا أحد غيره , التفت عن يميني ونظرت إلى ذ لك القبر المجاور لمنزل وائل الجديد ,يا ربي!! انه قبر فلأنه والدة فلان لقد دفنت قبل أسبوع بعد عمر يناهز (110عاما) وهذا قبر وائل الذي لم يكمل الثالثة عشر من عمره مجاوراً لقبرها, تذكرت هنا واستدركت أن الموت لا يعرف صغير ولا كبيرا.رفعت بصري من على القبرين والتفت إلى اليسار تجاه بوابة دخول المقبرة ويا ليتني لم انظر
يا الله !!.. .. ما هذا!!!!! نعم انهم أصحاب وائل قد أتوا بكل برأة الطفولة وبكل معاني الصداقة الصغيرة التي تحملها نفوسهم الطاهرة آتو ولسان حالهم يقول :نحن هنا يا وائل سنبقى بقربك حتى أخر لحظه ولن تبعدك عنا تلك الحفرة العميقة ابدآ فحبك المحفور في قلوبنا اعمق وصورت ابتسامتك ستبقى لنا دوماً هي الأجمل ودوماً سيَظل صوتك هو الأعذب .
أحسست بوفائهم لصديقهم وبصدق مشاعرهم فهم أطفال لا يعرفون المجاملة أو النفاق((ليتنا نخلص مثلهم)),لقد كان منظر دخولهم للمقبرة وتلك النظرات في عينيهم بالنسبة لي اعظم لوحة فنية رأيتها في حياتي اختلط فيها لون الطفولة بلون الحزن ليخرج لنا لون الوفاء الحقيقي ,هذه اللوحة المليئة بالمعاني الحزينة والمعاني الصادقة , بل هي اعظم قصيدة رثاء نقشت على وجوههم وكتبت أبياتها بدموعهم , كان الموقف صعب بالنسبة لي خرجت بل أقول هربت مسرعا من المقبرة وذهبت تجاه المكان المخصص لتغسيل الميت , تفقدت المكان ولوازم التغسيل والطيب كل شيء كان على ما يرام , جلسنا ننتظر وصول الجنازة فهم في الطريق ولم يبقى لهم سوى دقائق قليلة , وقفت عند باب المغسل أنا واحد الأقارب وبينما نحن كذلك أتت سيارة وتوقفت أمامي وإذا هو أحد أقارب وائل فأنزل النافذة ونظر لي بتعجب وقال ما بكم , أدركت أنه لا يعلم بما حدث ,انه ابن عمته وصديقه الدائم كيف اخبره بما حصل
لم استطع أن أتفوه بحرف واحد نظرت لمن كان بجانبي, أعاد الولد السؤال بنبرة صوت أعلى فأجابه من كان معي وقال:وائل قد توفي . فقال الولد :وائل من ,فرد عليه:ابن خالك , تغيرت ملامح وجهه والتفت نحوي فلم استطع أن أنظر إليه , أدرت ظهري له ولم اسمع أي صوت أخر غير صوت إطارات سيارته فلقد انطلق بسرعة من هول وقع الصدمة عليه .