PDA المساعد الشخصي الرقمي

عرض كامل الموضوع : عَمالقة



سكون ~
02-03-2016, 17:24
http://www.mexat.com/vb/attachment.php?attachmentid=2183239&stc=1&d=1488733006


http://www.mexat.com/vb/attachment.php?attachmentid=2112099&d=1454342180

سكون ~
04-03-2016, 00:35
*
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

و أخيرًا ، بعد ما يقارب الشهر و نصف ، أكملت هذه القصة المنحوسة .
لم أكتب شيئًا بهذا الطول من قبل ، أنا مذعورة ، و يجدر بكم أن تكونوا كذلك .
لكنني أستطيع القول بكل فخر أيضًا أنها لم تكتب في متاهات الجنون ، بل كُتبت بتخطيط دقيق و مراعاة للتفاصيل .

القصة متوفرة للتحميل في المرفقات لمن يريد ، و هي قادمة في الرد القادم .

* الشكر الجزيل للعزيزة Ph أو المعروفة عندنا ببيكا ، تصاميمك خارقة على الدوام .


و أخيرًا و ليس آخرًا :
- إلى نديّة ، مع الحب -

سكون ~
04-03-2016, 00:42
تقدّم و انتظر القبرَ
تقدّم و التجم القهرَ
كي ترى للموت بابًا
سترى منا عذابًا *

كان يستطيع الشعور بمذاق الخوف في فمه ، يشعر به يتمدد على لسانه ، يشعر برائحته الخانقة تقتحم أنفه ، كان يراه في عيون الجنود القلة الموجودين حوله . يلتف حوله و يحتل حواسه كلها مكبّلا إياه ، مشعرًا إياه بالتخدر .
كان يقف تحت المطر ، مبللًا حتى العظام ، قطرات المطر تسقط على أهدابه مشوشة رؤيته لمشهد كان يتمنى أن ينتهي سريعًا . لم يعرف إن كان الخوف الذي يشعر به قادمًا من كونه يقف في جنازة صديقه القتيل شاؤول ، أم إن كان من سبب مقتل صديقه الذي يعرفونه جميعًا . أكدت له قبضته المشدودة بترقب خائف ، و ساقيه اللتين كان يستشعر منهما الرغبة في الهرب بعيدًا و رمي كل شيء وراءه ، أن الخيار الأخير هو الصحيح .
عاين بنيامين الموقف بصمت حذر ، كانت الجنازة غير عسكرية و السرية التي أقيمت لصديقه شاؤول ، قتيل الواجب الذي لن يعرف عنه أحد لتكتم رؤساءه على الخبر ، تثير في نفسه شعورًا بالتهميش ، و مفجرًا عشرات الأسئلة في دماغه عن ما سيحدث بعد مقتله . انطبعت صورة الجنازة في ذهنه عميقًا ، و تأكد يقينًا من أنه لن يلقى معاملة أحسن من هذه. لم يكن يعرف إهانة أكبر لجندي فخور مثل شاؤول كجنازة غير عسكرية تقام
بالخفاء ، لم يكن هناك علم وطني يغطي التابوت الخشبي حتى ، و رغمًا عنه شعر بانقباض في معدته .
لم يحضر الجنازة سوى بضعة جنود مقربين من شاؤول ، زوجته و أمه . تساءل بنيامين و هو ينظر إلى وجوه الجنود إن كانوا يفكرون مثله ، إن
كانوا مغمورين مملوئين بهذا الشعور المقيت من الخوف و التوتر . و حين لاحظ فك أحدهم المشدودة و نظراته التي كانت تنظر إلى أي مكان
سوى التابوت ، شعر برغبة مفاجئة في الضحك ، كان صاحب النظرات مدركًا مثله : نحن ننظر إلى حتفنا .
حين أحال عينيه إلى أم شاؤول و إلى زوجته مليا –كان زوجها مجنونًا بها - ، بدت له المرأتان بصلابتهما الظاهرية شامختان كجدار الفصل العظيم . ثابتتان بشكل يثير الحسد و الغضب بيديهما المتماسكتين و تعابيرهما الجامدة . بثوبين سوداوين و مظلة بلاستيكية احتمتا بها معًا .
استمر هطول المطر ، و طال وقوفه في المقبرة حتى ظن أنه لن يستطيع الرحيل أبدًا ، كان لا يزال واقفًا بعد أن رحل الجميع عن المقبرة ، لم
ينتبه لمغادرتهم حتى ، لم يستطع إزاحة نظره عن القبر ذو التربة الرطبة و الشاهد الحجري . ظل واقفًا بقبضته المشدودة ، بقلبه المنقبض و
الشعور المقيت في معدته ، و وزن البندقية على كتفه يجذبه للأرض أكثر و أكثر .

منعزلًا جلس بنيامين على مائدة الإفطار في معسكر الجيش المشترك بين الكتائب . كانت عيناه مركزتان على طبق البيض أمامه لكنه لم يكن ينظر إليه فعلًا ، أخفض عيناه إلى حذائه العسكري ، كان الحذاء نظيفًا تمامًا , لكن بنيامين لم يكن يرى فيه سوى ذات الحذاء الملطخ بوحل المقبرة . أسند مرفقيه على الطاولة و احتضن رأسه بين يديه بدعاء صامت ، كان ينقاد إلى الجنون ببطء ، حتى بعد أيام من دفن شاؤول ما زال يشعر أنه لا يظل واقفًا تحت المطر ينظر إلى القبر .
كان لا يزال يشعر بشاؤول يجلس بجانبه ، في ذات المقاعد التي يجلسان عليها معًا . فكر بنيامين : لو أن شاؤول لا يزال هنا ، لكان سيميل علي و على وجهه تلك النظرة الخبيثة بينما يحكي لي باستمتاع عن كيف استطاع إصابة ثمانية أهداف من عشرة بينما قائد الكتيبة استطاع إصابة ستة فقط في التدريب الدوري . كان يستطيع رؤيته بعين الخيال ، منحنيًا عليه و واضعًا ذراعه على كتفه الأيسر و رأسيهما متلاصقين بطريقة متآمرة ، و حين شعر بيد ثقيلة على كتفه ارتج و انتفض واقفًا بعنف مسقطًا الكرسي الخشبي على الأرض .
- بنيامين ؟
التقت عينا بنيامين بعيني بارول ، صديقهم الجندي الثالث . تراجع بارول بحذر إلى الخلف خطوة و سحب يده ، لم تفته النظرة الذاهلة في عيني بنيامين ، لم تدم إلا لحظة لكنه لم يخطئها ، كانت نظرة رجل مدفوع للزاوية .
- بارول ..
خرج صوت بنيامين مبحوحًا جافًا ، خاليًا من المشاعر . ابتلع ريقه محاولًا تبليل فمه ، كان يشعر به جافًا ككهف صحراوي . رفع كرسيه من على الأرض و جلس عليه بصمت ، امتدت يده لكأس الماء البلاستيكي و ارتشف منه قليلًا . سمع صوت سحب الكرسي الذي أمامه لكنه لم يرفع رأسه ، من سيكون غير بارول .
أراح صديقه الجندي ذراعيه على الطاولة ، التصق قماش بذلته العسكرية بجسده المفتول العضلات . قرب بارول رأسه من رأس صديقه الذي كان منحنيًا على الطاولة مركزًا نظره عليها .
- ماذا بك بنيامين ؟ تبدو مضطربًا ...
تردد بارول قليلًا في اختيار كلمة " مضطرب " ، إن كان هناك كلمة تصف مظهر بنيامين الحالي فهي كلمة " مذعور " ، كانت عيناه الصغيرتان منتفختان ، بهالات سوداء عميقة تحتهما ، وجهه كان شاحبًا مصفرًا و شعره الأسود منكوش في كل الجهات ، و بزته العسكرية مجعدة على غير العادة . و ما أثار قلق بارول أكثر هو تلك النظرة الذاهلة المرعوبة التي كانت تلمع في عيني بنيامين للحظات ثم تختفي .

بلل بنيامين شفتيه بلسانه ، رفع بصره إلى بارول و قرب رأسه منه هامسًا :
- لا أستطيع النوم بارول ، لا أستطيع النوم . عندما أغلق عيناي كل ما أراه هو وجه شاؤول الخالي من الحياة . هل تعرف كيف مات شاؤول يا بارول ؟ هل تعرف ؟ إنهم يبقون الأمر سرًا ، لكنني سأخبرك ، إنهم يخفون الكثير من الأشياء عنا لكنني أعرف ، تعلم كيف ينتقل الكلام بين الجنود ، لا أحد يستطيع إبقاء فمه مغلقًا هنا .

صمت لثوان ليضمن أن بارول لا يزال ينصت له ، قرب فمه من إذنه أكثر مكملًا بذات الهمس :
- لقد طعنوه . هؤلاء الفلسطينيون طعنوا شاؤول ، لقد رأيت جسده ، ثلاث طعنات : اثنتان في الصدر و واحدة في البطن ، لقد كان واقفًا يحرس ليلًا عند الحاجز الأمني . لقد ظن أنه في مأمن ببندقيته و بزته العسكرية . لقد كانوا أقوى منه ، لقد رأيت الطعنات ، عميقة و مركزة ، هل رأيت نصل سكين مغروز بالكامل في اللحم من قبل ؟ استطاع إطلاق النار على أحدهم قبل موته ، لكن ما قيمة ذلك الآن ؟

أقام بنيامين ظهره فجأة و بسط يديه على سطح الطاولة ، بدا عليه الانفعال ، كان يتكلم كأنه يخاطب نفسه مركزًا نظره على السطح الخشبي ، كل الأفكار التي مرت برأسه خلال الثلاثة الأيام الماضية تندفع من فمه كالسيل :
-أتعلم ما الذي كنت أفكر به هذه الأيام ؟ أنا حزين على شاؤول ، أنا حقًا حزين .
لكن أتعلم ما الذي يشغل تفكيري حقًا ؟ ما الذي أشعر به ؟

رفع رأسه و نظر في عيني بارول هامسًا :
-أنا خائف بارول ، خائف من كل هذا الموت الذي يحدث حولي ، أنا لم آتي هنا لكي أشعر بالخوف و الحذر طيلة اليوم . أشعر و كأنني في الجحيم . انظر إلى شاؤول ، لقد قتل عند حاجز أمني اعتيادي ، ماذا عننا هنا ؟ نحن على الحدود ، نحن على الحدود اللعينة ! أستلقي في سريري كل ليلة و لا أرى سوى وجه شاؤول الميت ، مترقبًا متى سيأتي دوري .
كلنا سنموت هنا يا بارول ، أنا أرى ذلك في وجه كل فلسطيني لعين يحدق بي ، كل ما ينتظرنا هنا هو الموت .
لا أريد أن أبقى هنا متحينًا اللحظة التي سأموت فيها بطعنة توجه لي على حين غرة ، لا أريد الموت !

ابتلع بنيامين ريقه حين لاحظ الصمت الذي استبدل الإزعاج الذي كان يطغى على خيمة الطعام بالمعسكر . في نقطة ما من حديثه ارتفع صوته و سمعه الجميع . حين رأى عضلات فك بارول المشدودة و نظراته الثاقبة استدار بسرعة إلى بقية الجنود خلفه ، كان الكل يحدق به بذات النظرة الجامدة ، شعر بجسده يحترق من الانفعال ، و حين أراد التكلم خرج صوته مبحوحًا متزعزعا :
- ما الذي تنظرون إليه ؟ أنتم جميعًا تعلمون أن هذه هي الحقيقة ، لماذا تتصرفون خلاف ذلك ؟

اتسعت عيناه أكثر ، كان يبدو فاقدًا لعقله تمامًا ، أشار إلى الأرض بسبابة يده اليمنى و همس :
-سنموت هنا .
- بنيامين
شعر بيد ثقيلة توضع على كتفه الأيسر ، إنه بارول . استدار له ليجده ينظر إليه بتعابير غامضة ، أحاط كتفيه بذراعه اليمنى و هو يسوقه إلى خارج الخيمة ، تحرك بنيامين معه رغمًا عنه ، كانت ذراعه حوله قوية صلبة . و حين وصلا إلى ساحة خيم نوم الجنود أوقفه أمام خيمته قال محدثًا إياه بنبرة جافة آمرة :
- قلة النوم لعبت بعقلك ، سأتحدث مع القائد لذلك ادخل و استرح في خيمتك .

حدق فيه بنيامين بذهول ، أحقًا لا يرون الواقع الذي يراه ؟ حين فتح فمه ليرد باعتراض قاطعه بارول برسمية :
-الجندي بنيامين بيريز ، سأرفع للقائد حاجتك لإجازة مرضية اليوم . أرجو أن تستغل هذا الوقت في النوم .

قرب وجهه منه حتى شعر بأنفاسه القصيرة تلفحه ، نظر مباشرة إلى عينيه بنظرة تهديدية ، و همس له بنبرة منخفضة مقطعًا كلامه ببطء :
-هل تعرف ماذا يسمون جيشنا ، بنيامين ؟ " الجيش الذي لا يقهر " . و هذا الجيش ، أيها الجندي بيريز ، لا يقبل من يرتعد أمام عُزّل و هو يحمل السلاح . ستدخل الآن لتنام ، و حين تأتي لدوريتك الليلة لا أريد سماع أي شيء من قبيل خطبتك الحماسية التي ألقيتها قبل قليل . لا أحد يريد أن يصبح مثل ريفيلين المسكين ، هل كلامي واضح لك بنيامين ؟

أومأ بنيامين برأسه بوجه مخطوف اللون و عيناه مخفضتان للأرض ، كانت المرة الأولى التي يكلمه فيها بارول بكل هذه الجلافة . عدل بارول قامته و ربت على كتف بنيامين بحركة ودودة مصطنعة ، ثم قال و هو يغادر الساحة و قد بدى أكثر هدوءً :
- نم جيدًا .

سكون ~
04-03-2016, 00:44
ترجرجت السيارة على الطريق الترابي غير المعبد ، كان صوت المحرك عاليًا و مزعجًا في أذني بنيامين ، لكنه كان ممتنًا له بعض الشيء لحجبه ثرثرة زملائه في المركبة و ضحكهم العالي . لم ينتبه في غمرة سرحانه إلى أنه كان موضع الحديث الساخر و الضحك من قِبل من معه . و حتى لو انتبه لم يكن ليهتم . كان جالسًا في مؤخرة السيارة المكشوفة ، ظهره للبقية و وجهه للطريق المظلم شادًا على بندقيته في يده و خوذته تهتز على رأسه مع ارتجاج السيارة . لم يكن يحب أبدًا اليوم الذي يتعين عليه فيه القيام بالدورية الليلية بعيدًا عن المعسكر الأساسي . و الليلة أكثر من الليلتين السابقتين ، لم يستطع إبعاد الشعور بشيء خَطِر يقترب . كان نفسه ثقيلًا ، و عيناه تنتقلان من جهة لأخرى بحذر متوتر .
لم تغادر عبارة بارول رأسه ، " لا أحد يريد أن يصبح مثل ريفلين " . ريفيلين من الكتيبة السادسة و الأربعين الذي رفض أن يمسك بسلاح مرة أخرى منذ أن أطلق النار على شخص حقيقي نتيجة إصابته بانهيار عصبي بعد ذلك ، دفع ثمن جبنه غاليًا : لم يسمع عنه أحد بعد ذلك . بارول كان يهدده بالاختفاء مثل ريفيلين ، لم يكن يحتاج لأن يشرح أحد له أن الاختفاء يعني القتل .
التفتت بنيامين للوراء بعد أن توقفت السيارة فجأة ، نظر باستغراب إلى السائق حاييم ، و حين رأى حاجبيه معقودين بحذر و يده ممتدة لبندقيته ارتفع في نفسه الشعور بالخطر . لم يشرح حاييم بل أشار لزملائه ، بنيامين و إسحاق و شمعون إلى نقطة من السور الحديدي برأسه قبل أن يقول ما لم يكن بالحسبان .
- سمعتُ صوتًا قادمًا من هناك .
أراد بنيامين أن يتكلم ، فتح شفتيه لكن لم يخرج من بينها صوت ، كان يشعر بكرة باردة تتدحرج في معدته . خلال لحظة كانوا جميعًا خارج السيارة ، لم يسجل دماغه في لحظة الذهول متى نزلوا و متى أشهروا بنادقهم جهة السور . وجد نفسه قد أشهر بندقيته معهم بطريقة تلقائية ، السيارة الآن خلفهم ، و المصباح الخاص فيها يضيء لهم بقعة ضوء صغيرة . ابتلع لعابه ، الأمر حقيقي ، إنه يحدث .
تقدم الثلاثة ببطء نحو السياج ، حاييم في المقدمة ، خلفه من جهة اليمين إسحاق و من جهة اليسار شمعون ، و في المؤخرة كان بنيامين . أحذيتهم العسكرية تدوس على الأرض الغير مستوية محدثة صوتًا منخفضًا . بدى لبنيامين أنهم مشوا آلاف الأميال قبل أن يصلوا للسياج الذي لم يكن يبعد عنهم بالحقيقة سوى خمسة أمتار تقريبًا .
شعر بنيامين بأعصابه مشدودة ، خُيّل له بأنها ستنقطع في أي لحظة . بزته العسكرية التصقت بجسده من تعرقه ، و خوذته على رأسه تضغط عليه أكثر . رفع حاييم ذراعه مشيرًا إليهم بالتوقف فجأة ، تجمد الثلاثة معه . أرخى حاييم سمعه أكثر ، أشار مجددًا إلى إسحاق خلفه بفتح جهاز الاتصال اللاسلكي تمهيدًا لطلب الإمدادات ، كانت يد إسحاق على وشك الإمساك بالجهاز على صدره قبل أن يصرخ بهم حاييم فجأة
- انبطحوا !
قبل أن يستطيعوا التحرك حتى دوى صوت طلق ناري ، في لحظة كان حاييم واقفًا ، في اللحظة التالية كان ساقطًا على الأرض يتلوى صارخًا بألم ، تفجر الذعر بعنف داخل الثلاثة ، من أين جاءت الرصاصة ؟!
- إلى الوراء إلى الوراء !
لم يميز بنيامين من كان يصرخ الآن ، اختلطت صرخات حاييم المتألمة بصرخات محدثه ، كانت الرؤية صعبة لكنه استطاع تمييز جسد حاييم المسجى على الأرض و شخصان آخران خرجا من الجهة الأخرى للسياج ، كان كل شيء سريعًا . لم يعرف متى أوصلته قدماه إلى خلف السيارة ، لكنه كان الآن خلفها ، بندقيته مرفوعة إلى الأعلى بتأهب ، كان جسده يتحرك بتلقائية اكتسبها من التدريبات ، آخذًا زمام الحركة في حين كان عقله غير قادر على استيعاب ما يحصل حوله . بدى الأمر و كأن بوابة الجحيم انفتحت في وجهه ، رشاشات المهاجمين تمطرهم بالرصاص ، انتبه لوجود إسحاق بجانبه على الطرف الآخر من السيارة ، كان هو الآخر غير قادر على إطلاق النار في وجه سيل الطلقات الذي يهاجمهم ، من يمد رأسه سيموت . بحثت عيناه عن شمعون ، أين ذهب ؟ و حين رأى جسدًا آخر منقلبًا على وجهه على الأرض باغتته الحقيقة : لقد أصبحا اثنان فقط .
سكن كل شيء فجأة ، توقف سيل الرصاص الذي حول السيارة إلى كتلة حديدة مملوءة بالثقوب . تبادل بنيامين و إسحاق النظرات ، هل هي فرصتهم للهجوم الآن ؟ ابتلع إسحاق لعابه بصمت ، قبل أن يشير برأسه إلى بنيامين ، سائلًا إياه إن كانت هذه لحظة غلبتهم .
لم يشعر بنيامين في حياته بالرعب كما شعر به في تلك اللحظة ، كانا وحدهما في صحراء خالية ، النجدة على بُعد آلاف المترات منهما ، محاطان بمهاجمَين مجهولَين ، و لا يملكان إلا بندقيتهما . بدأ يسمع صوت مشي الرجلين البطيء على الرمل المختلط بالحجارة الصغيرة . هل سيهاجمانهما من جهة واحدة معًا ؟ هل سينفصلان و يهاجمانهما من الجهتين ؟ رغم كل محاولاته في بث بعض من التفاؤل في نفسه ، كان يرى مصيره أمام عينيه : راقد في قبر بجوار شاؤول .
أراد أن يغمض عينيه ، أن يلقي بندقيته و يركض إلى أن يصل إلى مكان بعيدٍ جدًا عن هنا . أطلق إسحاق آهة مكتومة سحبت بنيامين إلى الواقع ، و عندما دقق النظر لدقيقة ، وجد بعض الدم يسيل من كتف إسحاق المصاب . ألصق رأسه بجسد السيارة ، سحب نفسًا مرتجفًا ، لماذا كل هذا يحدث له هو ؟ شد على بندقيته ، أحكم قبضته عليها ، كان جاهزًا لإطلاق النار في أي لحظة .
كان يتأرجح بين المغامرة و النجاة ، الاختباء و الموت المحتمل . أشار برأسه إلى إسحاق ، سيهجمان الآن ، و لا شيء يمكنه إنقاذهما الآن .
استدار بجسده ليصبح مقابلًا السيارة ، فزَ واقفًا على قدميه بسرعة ، فوهة بندقيته مصوبة إلى الأمام إلى ناحية مكان الطلق الناري قبل قليل ، سبابته متأهبة على الزناد ، ارتج جسده ، لم يكن هناك أحد في وجهه . التفتت بصدمة إلى إسحاق ، هل هرب المهاجمان ؟ هل نجيا ؟
- إسـ
أراد أن يكمل ، أراد أن يخبر صديقه بهروب المهاجمَين ، لم يستطع ، كان إسحاق مسجى على الأرض ، كيف ؟ لم يكن هناك صوت طلق نار ! أتاه الجواب عاجلًا على شكل ضربة قوية بكعب رشاش على مؤخرة رأسه ، مادت أمامه الأرض ، هل نفذ رصاصهم فلجأوا للقوة البدنية ؟ و رغم أن جسده كان يهوي للأرض ، لم يتوقف دماغه عن العمل و التحليل .
تفجر الألم بقوة في رأسه التي ارتطمت مؤخرتها بحجر كبير سقط عليه ، لم يكد يستوعب الضربة حتى أتبعتها أخرى ، ركلة قوية إلى معدته ، تقوس جسده بألم حاد ، أراد أن يصرخ ، ركلة أخرى إلى الصدر .
كان دماغه يصرخ ، لا ، لا يريد الموت هنا ، تلاشت من رأسه كل الوعود ، كل الأماني بالأرض الموعودة ، أراد فقط أن يهرب ، بعيدًا من هنا إلى حيث لا يجده أحد . كانت البندقية على بعد مرمى حجر منه ، لو مد يده قليلًا لوصل إليها ، تساءل لماذا توقف مهاجمه عن ضربه ، لماذا لا يقتله بسرعة و ينهي الموضوع ؟
مال رأسه إلى اليمين ، كان يستطيع رؤية حذاء مهاجمه ، رفع عينيه إلى الأعلى أكثر وسط دوار رأسه ، و سرت في جسده قشعريرة . كان أمامه رجل ملثم بعمامة فلسطينية ، لم يكن يرى من وجهه سوى حواجب كثة ، و عينان داكنتان عميقتان ، شعر بهما تغوصان في داخله ، تنظران من خلاله . أراد أن يتكلم ، أن يقول شيئًا ، لم يكن يعلم ماذا يقول حتى ، من كان يفكر بالحديث و هو مطروح على الأرض أمام شخص عازم على قتله لا محالة .
لكن الرجل لم يتحرك ، استمر يحدق به بعينيه تلك ، الكرة الباردة .. الكرة الباردة تتدحرج في معدته مجددًا ، ارتجفت شفتاه ، نضح العرق من جبينه ، ما خطب هذه العينان ؟ لم ير من قبل احتقارًا و كرهًا أعمق مما رآه في عيني ذلك الرجل . ذلك النوع من الكره الصافي ، عميق و مرعب . شعر بجسده يذوب و يمتزج مع التراب ، يتحول إلى ماء و يتبخر ، يتحول إلى هلام . و من دون وعي منه ، كان يزحف متراجعًا إلى الخلف ، كفاه ملتصقتان بالأرض ، تدفعانه إلى الوراء .
أمام عيني الرجل ، كان يشعر بنفسه ينكمش ، يصغر إلى حجم الحجر ، يصغُر إلى حجم النملة ، إلى حجم الذرة . و كان الرجل يكبر و يكبر ، كناطحة سحاب ، كعملاق خرافي .
رأى الرجل ينحني ، يمسك ببندقيته الممتلئة بالرصاص ، يرفعها ببطء و يوجهها إليه . هل كان الرجل يتحرك ببطء أم أن دماغ بنيامين كان يعرض الصور كذلك ؟ لن يعرف أبدًا .
من مكان ما بعيد عن بنيامين ، دوت طلقة ، و كان كذلك آخر ما يتذكره قبل أن يغيب عن الدنيا .

سكون ~
04-03-2016, 00:46
تك ، تك ، تك
راقب بنيامين بجمود و خواء قائد الكتيبة و هو يدق برأس القلم على سطح لوح الأوراق الخشبي . كان الصوت محطمًا للأعصاب ، لو كان بنيامين لا يزال يملك أعصابًا من الأساس . كان بنيامين متقوقعًا على نفسه فوق سرير في خيمة العناية الطبية ، يراقب القائد الجالس على الكرسي أمامه بجمود تام . زفر القائد بضيق صدر ، و قال بصوت حاد :
- أيها الجندي بيريز بنيامين ، سأسألك للمرة الأخيرة : قبل ثلاثة أيام ، الحادي عشر من نوفمبر تعرضت أنت و دوريتك للهجوم من مسلحَين ، قتلا الثلاثة الآخرين و استطاعت قواتنا اللحاق بك بفضل بلاغ رفيقك القتيل الجندي شمعون . أحتاجك أن تصف لي ماذا حدث ، ماذا رأيت أيها الجندي بيريز ؟
مرت دقيقة ، دقيقتان ، لم يتكلم بنيامين ، فرك القائد وجهه بيأس . الشاهد الوحيد للوقائع يومها يرفض التحدث ، كان أشبه بمن أصيب بالخرس .
- أنا ..
رفع القائد رأسه بسرعة ملهوفة و صدمة عارمة ، بنيامين فتح فمه ، إنه يتكلم !
نظر بنيامين مباشرة للمرة الأولى في عيني القائد ، كان يتذكر بكل وضوح ، الكرة الباردة تتدحرج في معدته ، هو ينكمش ، و الرجل يتمدد . هو يصغُر ، و الرجل يكبُر . جسده بحجم النملة ، و الرجل أمامه عملاق . صوت بنيامين يخرج جافًا مبحوحًا ، تقوقع على نفسه أكثر .
- عمالقة ، رأيتُ عمالقة .



و في حلوقكم
كقطعةِ الزجاجِ ، كالصّبار
في عيونِكم ، عمالقةٌ ، زوبعةٌ من نار
هنا على صدوركم ، باقون كالجدار *
- بتصرّف –

تمّت .
24 / جمادى آخر / 1437 هـ - 4/ مارس / 2016 م
3:23 ص

جثمان ابتسامة
04-03-2016, 07:53
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

في البداية أحمد الله على أن رأيت لكِ قصة هنا بعد طول انتظار، وإن لم أقرأها للآن .. [حجز] لا أطيق كتابة هذه الكلمة بتاتًا
لكن أقول حملت القصة من المرفقات، وبإذن الله سأتابعها
أما عن الرد، سأحاول اقتناص إحدى الفرص لوضعه بمشيئة الله
فقط أرجو ألا تكون هذه المرة الأخيرة

في أمان الله .

سكـارلـيت
04-03-2016, 07:58
مكاني# ~
لي رجعة بعد القراءة ~

سكون ~
07-03-2016, 18:14
بانتظاركما ~

KEI SHIN
07-03-2016, 18:15
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أول مرة أرى كتابات غاليتي سكون ما شاء الله :d

لهذا لي عودة بإذن الله^^

في حفظ الله

white dream
08-03-2016, 02:45
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

مرحبا شاي .. كيف أنتِ ؟.

قصة قصيرة جميلة في الحقيقة ، أحببت قراءتها ، حتى نهاية الجنازة لم أتوقع مسارها بطرئقة ما لم أتوقع التالي ..
عجيب ما يفعله الخوف بالإنسان ، وخاصة عندما لا يكون لديه ما يبعد هذا الخوف ..
أعني ليس الموقف متماثلا لمن يملك هدف نبيل يقتحم الخطر لأجله ، ومن هو في شك دائم حتى في موطئ قدمه التالي ، وليس لديه ذلك السبب العظيم الذي يؤمن ويضحي لأجله .
قد يقول البعض إن هؤلاء - الجنود - لديهم بالفعل ما يضحون لأجله ، وأقول لو كان هذا شعورهم حقا لما رأيناهم يرتجفون عند أول صدام مع المجاهدين .
بأي حال :~ أحببت تصويرك للخوف عندما يتغلغل ببطء في نفس الشخص ويجعله مترقبا لكل ما حوله ، فلا يهنأ لا بنوم ولا بيقظة .
أحببت أيضا تصوير المجاهدين من الطرف الأخر ، تساءلت لما لم يقتله ولكن فيما بعد اتضح أنه صار جثة على قيد الحياة .
الخوف بلغ به مبلغا حرجا لا نجاة له بعد ذلك اليوم .

تساءلت لما كانت زوجته وأمه متماسكتين إلى هذا الحد ؟ توقعت أن يجهشوا بالبكاء ، لكنهم جلدوا وكاد بنيامين أن يبكي ! .
راقت لي الأسماء ، لكن لم أحب إسم اسحاق بينها ، ففي النهاية هو نبي وهم يهود .. وهذه مشاعري الخاصة فقط .

قصة جميلة ، ربما تكون تحاكي الواقع المعاش هناك ونحن لا ندري !.
نراهم ونفرح لبطولاتهم وانتصاراتهم الصغيرة ونتمنى لو كانت أكبر .
أحببت المقطع الأخير ، يوحي بالقوة ^^
وأسلوبك في الكتابة جميل أيضا .. استمتعت بقراءتها ، قصيرة ومؤثرة ^^

سأحب أن نقرأ لك شيئا آخر .. أطول وأغزر مشاعرا ^^

رعاك الله ~

*Kyuubi Mimi*
14-03-2016, 08:25
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف الحال سـ ..... يا شريرة القصة طويلة !! :e107::e107:

برجع لك بعد أسبوع أو أكثر - أحاول إن شاء الله - :مرتبك: :هرب:

لّمياء ●
14-03-2016, 09:32
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
كيف الحال أختي سُكون ؟ ، :أوو:
؛
بدأ الأمر بمشاعر الخوف التي تنامت في جوف بينيامين ،
في البداية ظننت أن القصة عن جنازة جندي قُتل بطريقة غامضة
لكنني توقفت عند اسمه [ شاؤول ] ثُم اتضحت الصورة شيئا فشيئا ، :محبط:
سردُك جميل ، ووصفك لمشاعر الخوف والكرة الباردة التي تتدحرج في معدته
استطعت تخيّل كل كلمة وكل جُملة ، كما لو أن الأمر حيّ أمامي ، :رامبو:
كيف بدأت القصة بمشهد المطر ، الزوجة والأم ، ثم اضطرابه وذعره في مائدة الإفطار
بعدها مشهد السيارة التي كان هادئا في مقدمته لكنه آل إلى شيء آخر في النهاية
تصويرك لمشهد الرجل الفسطيني ، وكيف بات شيئا فشيئا عملاق ، أما ذاك الأخير فهو يتضاءل
الجُبن الذي اعتراه حينها كحال البقية في الواقع
وفي الختام المُقتطفات الشعرية في المقدمة والنّهاية ، جميلة بحق ، :لقافة:
أسأل الله أن ينصر إخواننا الفلسطينيين ، ويُعلي كلمة الحق عاجلا غير آجل ، اللهم آمين .

سكون ~
01-05-2016, 15:15
للرفع :d
كيفي موضوعي :ضحكة:

سكـارلـيت
01-05-2016, 15:26
قريتها من زمااان ونسيت ما أعلّق عليها =>> اقتليها :e407:.
احم أولا يعني ماشاءالله أسلوبك اسطوري سكون والقصة مميزة يعني مو مكررة تمنيت من زمان أقرأ لك قصة لما شفتك مشرفة القسم قلت أكيظ روايتها حلوة وطلعت أجمل مملتخيلت السرد الوصف الاقتباسات القصة والفكرة كلها تدخلك في عالم ثاني أعترف أنا لا أقرأ القصص الواقعية بس استمتعت فيها صدقاً :p ..
بانتظَار جديدك #..

نَفَقْ
26-05-2016, 08:15
السلام عليكم،

ما شاء الله، قصة رائعة سلمت أناملك! :e106:
قرأتها البارحة من هاتفي، و الآن جئت اسجل اعجابي! :em_1f60b:
بالتوفيق لك أختي، أتمنى قراءة المزيد من ابداعاتك.

في أمان الله~

جثمان ابتسامة
29-05-2016, 15:14
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف حالك أخيتي سكون ؟ يا رب بأفضل حال

أرجو أن تعذري تأخري الطويل ..
لنأتِ لقصتكِ الآن
هذا الطابع من القصص يروقني كثيرا، بغض النظر عن نهايته أيًا كانت ..
القصة تعلق في الدماغ - على الأقل بالنسبة لي -
لأنكِ انتهجت الطريقة المعاكسة في حياكتها ..
غالبًا ما أقرأ عن ما يعتمل في كيان المجاهدين المسلمين
ولم يسبق - أو ربما من النادر - أن أتابع عملاً يصف خلجات الطرف الآخر، وكيف يرى نفسه أنه على حق تمامًا، ولا بد له من الدفاع عن ممتلكاته الخاصة
أتعلمين ؟ للحظة شعرت بالشفقة تجاه بنيامين !
لا أدري كيف يا آنستي .. لكنكِ جعلت الأحداث تسير بالمقلوب في عقلي، ولوهلة أشعرتني وكأن بنيامين هو الضحية والمظلوم والمجاهدين على الطرف الآخر هم الأعداء الظالمين !
رغم معرفتي بأن العكس صحيح !
ذكرتني بما قرأته قريبًا عن فلسفة " البطل والشرير "

والنهاية كان لها وقع خاص آسر ، " عمالقة " إنهم كذلك فعلاً
وأجدني مرة أخرى أعود لنقطة البداية ويداهمني إحساس بالشفقة تجاه بنيامين، لكن هذه المرة لأنني أدرك حجم الضياع والرعب الذي يستوطن قلبه

في موضع معين أثناء نقاش بنيامين وبارول الساخن تذكرت الآية الكريمة في سورة الحشر " بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ... "

كنت أظن أن ردي لن يتجاوز السطرين، كوني قرأت القصة منذ زمن ولم أضع ردًا في حينها .. لكن ألم أقل لكِ إنها من النوع الذي يعلق في الذهن ؟

دمتِ في أمان الله .