PDA المساعد الشخصي الرقمي

عرض كامل الموضوع : و حلَّق بأحلامه مع طائرة ورقية ...... [ خربشة قصيرة ]



white dream
01-09-2012, 21:48
http://www.mexat.com/vb/attachment.php?attachmentid=1776029&stc=1&d=1351517745



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

هي خربشة قمت بها حديثا ، ليست أكثر من خربشة أردت بها الهرب من بين الكتب لبعض الوقت .
الرتابة الشديدة ليومي وضيق الوقت منعني من جعلها أفضل من هذا ... ثم وكما أسلفت ، هي مجرد هروب من واقع المذاكرة المضجر لبضع دقائق ، ولم أرى بأسا من عرضها هنا ..
أتمنى فقط أن تنال بعض استحسانكم ^^ ، نظرا لكونها طفولية قليلا ^^



http://im16.gulfup.com/2012-09-02/1346534837411.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xs9adsl5s9008g)



وحلق بأحلامه مع طائرة ورقية




في أصيل يوم ربيعي دافئ ، تعالت أصوات مبتهجة من حديقة منزل ريفي ، يقبع بين أحضان قرية صغيرة تتوج قمة الجبل الصخري ، الهدوء يوشحها ويتألق الربيع فيها .
ولكن تلك الضحكات كانت ما تزيد الموقع جمالا ، مصدرها مجموعة صغيرة من الأطفال لم تتجاوز الستة أنفار، يبدون متقاربين في الطول فجميعهم يناهز الثانية عشرة من العمر ، عدا واحدا فقط بدا أصغر ببضع سنوات ربما يكون في ربيعه التاسع ، ولكن ليس هو من يشد عن هذه المجموعة البريئة التي كانت تتخذ من العصي الخشبية – مصدرها أشجار الزيتون التي تضلل القرية – سيوفا لتحاكي بها زمن المحاربين ، تسمع صيحات الانتصار لحظة تتبعها ضحكات عالية ساخرة إذا وقع البطل على الأرض ، وفي أحيان أخرى تتحول إلى شجار طفولي لا ينفك يعود مرة أخرى إلى ضحك بعد تعب المتخاصمين وامتلاء ثيابهم بالغبار وتلونها بالأخضر لتدحرجهم على العشب المعطر بأزاهير الربيع الملونة .
أحدهم فقط اكتفى بجلسة متأملة تحت شجرة مشمش غزيرة الأوراق ، يحدق أمامه بغدير ضحل ، توجت حوافه أعشاب متراقصة وانحنت لترى صورتها في مياهه الصافية ، حدق إليه الطفل بشرود وانعكست أشعة الشمس المترنحة على سطح الماء في حدقتيه العسلية ، كان من يراه يضن أنه يحمل هموم الدنيا على رأسه الصغير ، اعتدل في جلسته لحظة وأخذ نفسا عميقا يملأ به رئتيه ولكنه لم ينفك أن يعود إلى صورته الأولى ، عابثا بورقة خضراء يلفها من غصنها بين أصابعه وهازا قدمه الممدودة بملل .
ناداه أحد الأولاد بصراخ عالي : طَـهَ تعال إلى هنا ، أحتاجك في فريقي .

رفع الفتى عينيه إليه لحظة ثم عاد إلى صورته الأولى بدون أن يرد له الجواب ، قد تكون حركة غريبة منه ولكن جماعته التي تعودت تصرفاته كانت تفهمه من دون أن يتكلم ، لذلك كانوا يعرفون أن هذه الحركة تعني الرفض ، فما كان منهم إلا أن انصرفوا ليكملوا لعبتهم .
لم تكد دقيقة أخرى تنتهي لتتبع سابقتها المنصرمة استغرقها الفتى في التفكير ، وكأنه يراجع قراراته ، هل يذهب ليلهو معهم أم يبقى في مكانه مفكرا بما يعكر مزاجه، ولكن تحت إغراء أصدقائه له تغلب الخيار الأول بكل بساطة ، فترك مكانه راكضا نحوهم ، كانوا يتخذون من المرجة الخضراء اليانعة ساحة نزال ، يتربع في ركنها كومة قديمة من طوب البناء ، يجلس فوقه فتى أسمر البشرة غزير الشعر، حيث كان ذاك المكان بمثابة مقعد رئيس المجموعة ، لذلك وقف طـه هناك رافعا أحد حاجبيه باستنكار ، ليصدح بذلك الفتى – الذي كان في نظره يتجاوز حدوده – : يَحْيَى ! كيف لك أن تأخذ مكاني؟ أنا رئيس هذه العصابة ولن أتنازل عن عرشي بدون قتال .
قفز يحيى من مكانه برشاقة : قلت أنك لا تريد اللعب ! .
-: بدلت رأيي الآن ، سألعب معكُـ .... ــمْ .
وقبل أن ينهي كلماته تلقى دفعة من الخلف ليسقط على ركبتيه ، أثار ذلك أعصابه ، فرغم سنه الصغير وقسماته الجميلة التي تدل على أنه طفل هادئ بشعر أشقر أكثر من كونه كستنائي وعيون عسلية واسعة بدت رائعة برموشها الطويلة في بشرته البيضاء ، لكنه في حقيقة الأمر عكس هذا تماما ، فهو عصبي المزاج ، صعب الإرضاء وله طباع مسيطرة جعلته يحتل عرش الرئيس في عصابته بكل جدارة .
استدار غاضبا ليلاقيه وجه طفل أخر ، يبتسم وعيناه البنية تضفي لمسة جميلة على وجهه المستدير ذي الغمازة : هل انتهت جلستك تلك ؟ .
صرخ به طـه متجاهلا سؤاله : كم مرة أخبرتك أني أكره من يدفعني من الخلف .
-: كنت أمزح ليس أكثر .
صفة أخرى من صفات طـه العجيبة هو أنه يعشق استفزاز الآخرين ، لذلك أجابه : حسنا لم أكن أعرف أنك جبان ، تهاجم من الخلف وأنا غافل ! .
أشتعل الفتى غضبا : لست جبانا ...
-: لنتبارز إذا .
-: لا ، لن ألعب معك هكذا .
أجابه باستفهام : ماذا تريد إذا ؟ .
-: إن فزت أكون أنا رئيس العصابة وستنفذ كل أوامري ! .
ضحك بغرور وكأنه واثق من عدم حصول هذا : حسنا موافق ، وإن خسرت فسوف أحصل على سيفك .
أومأ الفتى باستجابة وبدأ القتال ، استمرا طويلا فكلاهما لم يرد التخلي عن منصب الرئيس بسهولة ، و لم يحتمل أي منهما أن يفقد كرامته جراء الهزيمة أمام الجميع، ولكن النزال لن يستمر للأبد وانتهى أخيرا مؤكدا ضحكة طَـهَ إذ حصد الفوز بعد أن سقط غريمه على الأرض متعثرا بشريط حذائه ، ما منحه فرصة ذهبية لتوجيه نصل السيف إلى رقبته .
وقف محتجا : سنعيد اللعبة ، لقد تعثرت .. وإلا كنت فزت عليك .
-: لا ، الشرط هو الشرط .. لو كنت في معركة حقيقية لكنت ميتا الآن ، لذلك كن شاكرا وسلمني سيفك .
علت ضحكات الأطفال الذين كانوا متحلقين حولهم ، ولم يكن الفتى يملك خيارا سوى تسليم سيفه رغم أن ملامحه أبت قبول الهزيمة ، تظاهر طـه أنه يعيد السيف لغمده ومشى بخطوات مختالة متسلقا كومة الطوب ليجلس على عرشه : وهكذا أكون أنا الرئيس مرة أخرى ، وسأختار ماذا سنلعب الآن .
ضحك الجميع بما فيهم صديقه المهزوم ، فوقف يحييهم بطريقة مسرحية : شكرا يا أتباعي .. .

وعندما عاد ليجلس وقعت عيناه صدفة على الساعة في معصمه ، والتي من الواضح جدا أنها ليست له فحجمها أكبر من رسغه بكثير ، نظر إليها باهتمام لحظة ما لبث أن تغيرت ملامحه للهلع ، وقفز من على كومة الطوب راكضا باتجاه طريق السيارات ، ركض خلفه الجميع بينما صاح به ذلك المدعو يحيى : إلى أين تذهب ؟! .
لم يوقف طه ركضه السريع عندما أجابه من بين لُهَاثِهِ : لقد تأخرت عن حصة القرآن ، سيشنقني شيخ المسجد .
وصلت إلى أذنيه ضحكات هستيرية من الخلف فاستدار ليلمح أصدقائه واقعين على الأرض منهم من يتدحرج ومنهم من يمسك معدته وكل يضحك بجنون، ارتفع حاجباه تعجبا ، فأجابه صديقه المهزوم والذي ينادى أحمد : يا جاهل ليس لدينا حصة قرآن اليوم ، إنه يوم الجمعة .
ظهرت على وجهه ملامح الغباء لحظة قبل أن تتحول إلى غضب خفيف : لماذا لم تخبروني ، وتركتموني أركض كل هذا الطريق .
يحيى : نحن لم نستطع اللحاق بك حتى ، لنخبرك !! .
انحنى طـه باعتزاز يكاد يصير غرورا: هذا سبب أخر لكوني الرئيس ، فلن يسبقني أحد منكم .
ضحك أحمد ليتابع كلام صديقه : هل يرعبك الشيخ إلى هذه الدرجة فتنطلق مثل السهم للمسجد ؟.
دعك رأسه بعبث وملامح المرح تجلت على محياه إذ أجابهم : نعم ، أنا لست خائفا منه ، ولكن في أخر مرة تأخرت أبقاني واقفا على قدم واحدة طوال الحصة .
ولأول مرة يتكلم الفتى الصغير ذو التسع سنوات : صحيح ، وأمرك أن تقوم بقراءة سورة الجُمُعَة كاملة وأنت على تلك الحال ، هذا لأنه رآك تلعب في الخارج بينما أنت متأخر عن الحصة من الأساس .
ضحك الجميع ليتابع طه بشيء من الاعتزاز وإن كان ذكر ذلك الموقف قد جرح كبريائه : ولكن أثبت للشيخ ولكم جميعا أني عبقري وحفظت السورة ، واختبرني بعدها ولم أخطئ سوى مرة واحدة في حكم القلقلة .
تكلم يحيى بصوت مخنوق بضحكاته : صحيح أنك أثبت أنك ذكي ونلت إعجاب الشيخ ومدحك كثيرا يومها ورغم هذا لم يسمح لك بالجلوس بل بقيت تقفز على قدم واحدة حتى انتهاء الدرس .
جعلتهم تلك الذكرى يضحكون لحظة من الزمن ، عادوا بعدها متمهلين لساحتهم الأولى ، وجلسوا في حلقة واسعة على العشب يثرثرون عن ما فعله شيخ المسجد بكل واحد منهم ، استمر ذلك فترة قصيرة من الزمن قبل أن يسأل أحدهم : طـه ، لماذا كنت تجلس هناك لوحدك ؟ .
قطب طـه حاجبيه في ضيق : من دون سبب .
تكلم أحمد ونيته أن يعيد له إحراج الهزيمة التي تلقاها منه : هل كسرت شيئا في البيت فوبختك أمك مرة أخرى ؟ .
ضحك الجميع ليشتعل طـه خجلا ، وصرخ وهو يقفز على رقبة أحمد ليلقيه أرضا : لا ، ثم أمي لا توبخني أبدا ...
توقف لحظة ليقول متظاهرا التفكير : إلا عندما آكل في غرفتي وأترك الصحون تحت السرير .
انفجر الجميع واستلقوا للخلف فلم يعد أحد يستطيع منع نفسه من الضحك حتى طه الذي قال من وسط قهقهاته : وعندها تجبرني على ترتيب الغرفة بأكملها وإلا سأمضي حياتي أكل في صحن لوحدي في المطبخ .
قام مبتعدا عن أحمد الذي أردف : إذا ما سبب غضبك ؟ .
-: حسنا ، سأخبركم .. لقد أوصيت أبي أن يشتري لي طائرة ورقية بالأمس ، وعاد وأخبرني أنه نسي ، وذهب مجددا صباحا للعمل ، وعاد ولم يحضر لي الطائرة .
صاح فتى أخر لم يتكلم قبلا ، يرتدي نظارات طبية ولكنها لا تخفي بريق عينيه المائل للاخضرار متناسبة مع بشرته القمحية وابتسامته الواسعة : لماذا لا نصنع واحدة بأنفسنا الآن ؟ .
قفز طه واقفا : نعم .
ولكن بسرعة أخمد يحيى حماسه : طـه ، ليس لدينا الأدوات ! .
حدق به وكأنه يعني شيئا : أنا أدعى الزعيم وليس طـه .
-: حسنا أيها الزعيم ، أين سنجد الأدوات ؟ .
-: اتبعوني أعرف أين سنعثر على كل ما نحتاجه .

قال ذلك وتقدمهم الركض حتى وصلوا لباب معدني – يغلق غرفة تقع تحت البيت – مطلي باللون الأحمر ولكن بدا واضحا أن الطلاء قديم فهو متشقق وباهت كما أن حواف الباب كانت صدئة بالفعل ، حرك طه مقبض القفل لأعلى وأسفل بسرعة ليفتحه ، كان خلفه غرفة مربعة صغيرة الحجم لم تتعدى مساحتها 9 مترات مربعة ، مظلمة ورائحة الرطوبة تنبعث منها ، تقدم مبعدا نسيج العنكبوت من على الباب ومضيئا الغرفة لتبدو الفوضى داخلها .
قطع خشب بكل الأحجام والمقاسات مرمية في المكان ، وبعض أدوات النجارة والنحت موضوعة بعشوائية على الرفوف المثبتة في الجدران ، هذا بغير المسامير والقطع المعدنية وبعض المفكات المرمية على الأرض ، دخل طه مخاطبا عصابته : هذا مشغل جدي القديم ، سنجد كل ما نريده هنا.
أجابه الفتى ذو النظارات وكان يدعى مهند : مشكلة واحدة فقط يا زعيم .
أجاب محبطا : ماذا الآن ؟ .
-: لا نعرف كيف نصنع طائرة جيدة ! .
صمت طه يفكر في أن كلامه صحيح ، حتى جاء صوت أحمد ليكسر شروده : لماذا لا نطلب من جدك صنعها لنا ؟ .
-: لا ، سيقول جدي أنه مشغول ولن يساعدنا .
-: ماذا عن أبيك ؟ .
-: أبي لن يفعل ثم انه خرج ولم يعد بعد ، ولا تقل لي أمك ، فأمي لا تعرف كيف تصنعها .
رد أحمد مقطبا : كنت سأقول أخوك الكبير .
-: لقد ذهب مع أبي .
صرخ الطفل الأصغر في المجموعة والذي يسمى معاذ : كيف سنصنعها إذا ؟ .
جلس طه على الأرض المغبرة يفكر ، ما لبث أن قفز بسعادة تنبئ بعثوره على فكرة : زعيمكم الذكي سيحل هذه المشكلة .
تداخلت أصوات الفتيان وهم يسألون كيف ؟ وماذا ؟ كانت الحجرة ضيقة بالفعل ووسط هذه الضجة زادت اختناقا على صدره لذا صرخ ليسكتهم : هيــه ! أصمتوا لتسمعوا ما أثرثر به .
ساد الهدوء الغرفة الصغيرة ليردف : نرجس ستساعدنا .
عادت الهمهمات العشوائية مجددا وكل يتذمر من حقيقة مساعدة نرجس كونها فتاة ، وبحسب رأيهم الصريح في الفتيات فهن لا يصلحن لمهام مثل هذه ، هذا وقد احتلت فكرة الطائرة المزينة بالشرائط الملونة والورود الصغيرة عقل كل منهم ، ليعربوا جميعا عن خجلهم من اللعب بطائرة فتيات وردية .
طاولة معدنية تتخذ شكل الدائرة كانت تتوسط الغرفة ، ولم يجد الزعيم الضجر حلا أمثل لإسكاتهم من حمل أول أداة معدنية وهوى بها على المنضدة لتصدر صوتا حادا كقرع الجرس في أعلى كنيسة ، صمت الجميع مجبرين ليردف : كم يجب أن أقولها مرة ، أنا الزعيم ، وعندما أقول اصمتوا يعني اصمتوا ، ثم نرجس تستطيع صنعها أنا متأكد من ذلك فهي ذكية جدا وماهرة في هذه الأشياء لكن التحدي يكون في إخراجها من غرفتها ونزع الكتاب من يديها .
ضحك الجميع ليتابع طـه جولة السخرية : إنها مهووسة بالقراءة ، لا أذكر أني دخلت مرة لغرفتها ولم أجدها تعمي عينيها في الكتاب ! تصدقون تبقى أحيانا طوال اليوم تقرأ ، وأحيانا أخرى تنهي الكتاب في جلسة أو اثنتين ! .
عاد الجميع بعدها للضحك الهستيري بضع ثوان قبل أن يقطعهم طه بضربة أخرى من المطرقة على الطاولة : يكفي الآن ، لنذهب ونطلب منها المساعدة .
صعد الأطفال الستة إلى البيت ودخلوا متسللين على أطراف أصابعهم حتى باب غرفتها ، وعلى غير العادة لم تكن تقرأ بل كانت تعبث بحاسوبها وتديرهم ظهرها ، لذلك ابتعد طه عن الغرفة وأومأ لرفاقه أن يتبعوه ، دخل غرفته واستلقى على السرير باكيا حظه السيئ فهو يدرك جيدا أن لا شيء سيدفعها للتحرك من مكانها الآن .
تكلم يحيى وهو يجلس بجواره : ماذا سنفعل إذا ؟ .





يــ ... ـتبع ×

white dream
01-09-2012, 22:10
صمت طه وهو يحدق في السقف ، صمته هذا أثار تساؤلات أصدقائه ولكن ابتسامة ماكرة ظهرت على وجهه : أعرف كيف أرغم أختي على مساعدتنا .
صاح الجميع متسائلين عن الحل فقفز جالسا ليجيبهم : إنها تحدق بالحاسوب وفي العادة أتسلل دائما من خلفها وأخذ ما أريده من دون أن تنتبه لي ، وخاصة عندما يكون الباب مفتوحا فلا أضطر لأن أحدث ضجة ، ثم هل رأيتم الكتاب على السرير ؟ يمكنني سرقته ونستفزها به .
راقت هذه الخطة للجميع ليتابع الزعيم ذو العقل الشيطاني : لن تفرط في كتابها لأي سبب ، وستصنع لنا الطائرة بكل طاعة .
عادوا لموقعهم الأول ودخل طـه بخفة ليحصل على الكتاب بكل سهولة ، خرج ليهمس لأصدقائه : انتظروني عند الباب ، يحيى سأرميه لك عندما تركض خلفي وأنت أسرع به للخارج .
أومأ الجميع فوقف أمام الباب وصرخ : نرجس ! أنظري ماذا لدي .
استدارت نحوه بحيرة لتفاجأ بأنه يلوح لها بالكتاب : أعده لمكانه حالا .
-: بشرط ...
-: أعتبر أني أرفض الشرط ، أعد الكتاب طه .
-: تريدينه ؟! حسنا الحقي بي ..
قالها وأطلق ساقيه للريح ليخرج وينفذ ما اتفقوا عليه قبل ثوان ، بينما أسرعت نرجس خلفهم لاستعادة كتابها الثمين ، ابتعدوا عنها مسافة طويلة وهم يلقونه لبعضهم ، توقفت لاهثة عندما أدركت أنها لن تستطيع اللحاق بهم : طـه إن لم تتوقف في الحال سأقتلك .
-: سأعيد لك كتابك بشرط .
-: قل وأرحني .
صاح الجميع في وقت واحد : أن تصنعي لنا طائرة ورقية !.
ظهر التعجب واضحا على وجهها لحظة قبل أن تبتسم : هذا فقط ! لماذا لم تقولوا هذا منذ البداية وتوفروا علي كل هذا الركض ؟ .
صرخ طه من بعيد : هل أنت موافقة إذا ؟ .
-: نعم لكن أعيدوا لي كتابي .
-: ليس بعد يا أختي ، سنتأكد أولا أن طائرتنا ستصنع ثم نعيد الكتاب .
-: حسنا ، لقد قلت لك سأصنعها .
-: سنخبئ الكتاب ونعيده له بعد أن تنهي العمل .
زفرت بقلة حيلة : موافقة ! .
أومأ بعدها لـ يحيى ،انطلق الأخير ينفذ ما طلب منه ، بينما قادها باقي الأولاد للغرفة المغبرة ، تجولت في المكان قليلا وهي تفكر في ماذا ستفعل قبل أن يقطعها صوت زعيم العصابة : هيا نرجس ابدئي وسوف نساعدك .
-: حسنا ، كونوا مفيدين وابحثوا عن أخشاب رفيعة .
انتشر الأطفال بعدها في الغرفة يفتشون عن المطلوب ، وعاد إليها مهند بطلبها ، وضعتها على الطاولة واقتربت من الزاوية لتأمر: طـه ، هل ترى كرة الصوف تلك ؟ أحضرها .
-: ولماذا لا تحضرينها بنفسك ؟
تساءل ، لتجيبه : أنت من قال ستساعدونني صحيح ؟ ثم إنها محاطة بخيوط العنكبوت ولن أقترب منها لأي سبب ! .
ضحك الأطفال ليشير لها طـه من فوق كتفه وهو يتقدم : أرأيتم أختي الجبانة ، إنها تخاف الحشرات جدا .. وأخبركم بسر صغير ؟ إنها تموت رعبا إذا اقتربت منها نملة ، لذلك عندما أريد أن أضحك أركض خلفها بواحدة ، صدقوني مرة فعلتها وركضت خارج البيت حافية .. إن رأت نملة تصبح كالصاروخ في الركض ! .
أحمر وجهها خجلا ، وشعرت برغبة بأن تخنقه بالخيط الذي سيحضره .
ـ: تفضلي
-: حسنا ، أحمد أمسك بالألواح بهذا الشكل ولا تحركها حتى أربطها .
نطق مهند متسائلا : لماذا لا تطرقين مسمارا بها وننتهي ؟ .
-: المسمار ثقيل يا أيها العبقري .
عندما أنهت تثبيتها لتكون متصالبة ، خطفها طـه من بين يديها ليصيح : هذا يشبه شكل الصليب ، نرجس !.
-: حسنا وما الخطأ في القصة ؟.
-: أليس صنع هذا الشكل حرام ؟ أخبرنا الشيخ في المسجد بذلك ، لأنهم يقولون أن عيسى عليه السلام هو الله .
-: حسنا ، هذا يعتمد على ما تريد صنعه ، فهل تريد صنع صليب ، أم طائرة ورقية .
-: طائرة !! .
-: إذا فإنه ليس محرم .

استدار طه في حركة سريعة ليغمز للجماعة خلفه وابتسامة ماكرة على وجهه ، ثم عاد لوضعه الأول ليخاطبها : حتى لو صنعت صليبا ، لا أضنه سيتسع لأحد سوى الفأر تحت قدميك ! .
ما أن استوعبت كلماته حتى قفزت صارخة لتركب فوق الطاولة المعدنية ، انفجرا الجميع ضحكا ، بينما صاح طـه : أمزح معك ، ليس هناك أي فئران هنا يا أختي الجبانة .
شعرت برغبة قوية لتضربه بأقرب شيء ثقيل يقع في يدها وخاصة وهي تسمعه يردف : أختي عمرها ثمانية عشر عاما ، ولازالت تتصرف كالأطفال .
ضحك الجميع لتصيح بهم : أصمتوا ، ولننهي هذه اللعبة الغبية بسرعة ، نحتاج إلى قطعة ورق كبيرة ، طه هناك ورق في غرفتك أحضر واحدة بسرعة .
انطلق طـه من فوره ينفذ الأمر ، ولكنها أوقفته : أترك اللوح هنا يا ولد .

حرك شعره بأطراف أصابعه بحرج ووضعه لها على الطاولة وأسرع لمقصده ، بينما أتمت هي صنع الشكل الخارجي ، وعندما عاد كانت الخطوة الأخيرة أن يثبتوا الورق على اللوح ويترك كل منهم لمسته الخاصة عليها باستخدام الطلاء الذي وجدوا علبا كثيرة ملونة منه في الغرفة ماحين بذلك فكرة الأزهار والفراشات الملونة، ولم تكد تمر خمس دقائق أخرى حتى استلم الأطفال الطائرة واستعادت نرجس كتابها ، عادت لغرفتها وتركتهم يلهون بها في فناء المنزل ، كان حظهم جيدا أن الرياح تهب ذلك اليوم وحلقت طائرتهم الملونة عاليا وهم يتراكضون خلفها .
كان دور معاذ الصغير في اللعب تلك الساعة ، ولكنه لم يعرف كيف يسيطر عليها حقا فدفعتها الرياح لتتشابك خيوطها في شجرة صنوبر معمرة ارتفعت عاليا عن الأرض وتشابكت أغصانها السميكة فجعل تخليص الطائرة منها مستحيلا .
تحلق الأطفال حولها وبدت نظرة انكسار في عيونهم ، قال معاذ معتذرا : أنا آسف ، لم أقصد أن أضيعها .
وجه نظره للأرض وكاد أن يبكي بل أن أحدى دموعه تسللت زاحفة على وجنته رغم محاولته الفاشلة لحبسها، عندها اقترب منه طـه بابتسامة : مُعاذ ! ليست مشكلة ، ثم أنا لا أقبل الأطفال في عصابتي إن كنت رجلا فلا تبكي .
جفف دموعه بسرعة وأجاب : وكيف سنسترجعها الآن ، هل ننادي نرجس مجددا .
انحنى يحكم رباط حذائه : لا ، نرجس لا تستطيع تسلق هذه الشجرة ، ثم ما حاجتكم إليها ولديكم زعيم مثلي ؟ سأصعد وأحضرها لكم .
صرخ به يحيى ناهيا وأمارات الحزم على محياه جعلت من ملامح أكبر سنا وكأنه رجل يناهز الثلاثين من العمر : لا تفعل ، جميعنا يعرف أن تسلق هذه الشجرة بالذات صعب ، ثم أنظر إلى الطائرة أين إنها في أعلى جذع فيها ، لن تصل إلى هناك ، وحتى إن فعلت قد تسقط وتكسر رقبتك ! .
لامست إحدى يديه ظهره والأخرى حضنت معدته في انحناءة مسرحية ،وكأنه نجم كبير يُحَيِّ جمهوره الوفي : شكرا لك يحيى ، كأنك تقول يا زعيم أنت شجاع جدا لتتسلق إلى هناك .
حول يحيى بصره بعيدا عاقدا حاجبيه ، نعم إن الأمر لم يعجبه ، عقله الكبير وتصرفاته الناضجة كانت مناسبة تماما لتعادل جنون طَـهَ ، ولتمنح العصابة لمسة لا غنى عنها : لا ، أنا أقول إنه خطر ليس أكثر ، ثم كيف ستصعد يا سيد شجاع ؟ حتى أنه ليس في جذعها فروع ، أم تضن نفسك الرجل العنكبوت لتلتصق بها ؟ .
-: لا ، كنت أضن أن جدي لديه سلم ، نحضره و أصعد به حتى أصل إلى الجزء المتفرع ، عندها يكون التسلق سهلا .

ولكن للاعتراف فقط ، فإن طَـهَ أكثر نباهة وذكاء مما يبدو عليه ، ومن يستطيع تغير قرارات الزعيم ؟ لا أحد ، لذلك عاد الأطفال للبيت بسرعة وحملوا سلما طويلا صنع من الألمونيوم رفعوه ستتهم معا وكانوا يخرجون رؤوسهم من بين درجاته ليروا طريقهم ، ولسبب ما بدوا أشبه بسرب نمل يحمل شيئا ثقيلا ! أسندوه لشجرة الصنوبر ، وشكر يحيى السماء بكل أساريره إذ كان طويلا بما يكفي فلا يضطر صديقه المخبول لاستعراض عضلاته في حل قد ينهي حياته .
فرك طه يديه ببعضهما وهو يقترب من جذع الشجرة : لا تقلقوا سأحضرها وأنزل ، ليس الأمر صعبا علي .
ولكنه توقف لحظة ، فمهما كان الموقف لن يتخلى عن خصلة الاعتزاز وروح المرح في شخصيته ، فاستدار إليهم واقترب من أحمد قليلا : أجلس على ركبتيك يا أحمد .
-: لماذا ؟ .
-: أوه ، ألا يمكنك أن تفعل ما أطلبه منك مرة دون أسئلة ؟ .
نفذ أحمد ولا يزال مستغربا ، فكسر فرع صغير من شجرة قريبة ونزع أوراقه وتقدم نحوه ليضعه على كتفيه وكأنه يعينه فارسا : إن لم أعد من هذه المعركة حيا ، فأنا أعينك يا أحمد لتكون الزعيم بعدي ، وإن حدث ولم تكن زعيما جيدا سأخرج من قبري وأتي إليك لأخذ المنصب ، وسوف أطردك من العصابة .
ضحك الجميع ليسأل يحيى بسخرية لاذعة : إن مت كيف ستخرج من قبرك لتنفذ ذلك يا ذكي ؟ .
ابتسم طـه كاشفا عن أسنانه : لم أفكر في ذلك بعد ، لكن بما أنني الزعيم هنا ، سأكون زعيم الأشباح بعد موتي ، وسأرسلهم إلى أحمد ليرعبوه حتى يموت، وعندها يصبح مثلي وأطرده من العصابة .
ضحك الجميع بما فيهم يحيى لهذه الإجابة السريعة والبعيدة عن المنطق ، ولكن بعدها انصب أحمد واقفا : لا تقلق يا زعيم سأكون زعيما جيدا بعدك .
-: حسنا ، احتفظ بأحلامك يا أحمد ، أنا لم أمت بعد ، والآن توقفوا عن الثرثرة ودعوني أهتم بعملي .
قال ذلك وبدأ يرتقي السلم ورفاقه يحاول تثبيته على الجذع العريض حتى لا يتحرك ، وصل لأعلى وبدأ التسلق أسهل لكونها متفرعة من مكانه ، ولكنها كانت متشابكة جدا ، فكان إخراج رأسه من بين الأغصان صعبا ولكن لم يكن بصعوبة تثبيت يديه في مكان جيد احتراسا من السقوط .
كان الجميع يراقبه من أسفل وأحمد ويحيى يحاولون إرشاده أين يضع أطرافه ، وبعد وقت لا بأس به وجهد كبير من الزعيم المتسلق وصل لقمة الشجرة ، أخرج رأسه من بين الأوراق ليرى مشهدا رائعا أمام عينيه ، لقد كانت الشجرة عالية جدا وهو الآن على أعلى غصن فيها ، وبدا منظر القرية من مكانه رائعا ومزارع الزيتون مدهشة ، بدا كل شيء صغيرا من مكانه ، رفع رأسه للسماء فشعر أنه عصفور حر يطير ويكاد يلامس السحاب ..
ابتسم بسعادة وضل ثابتا يحدق في المكان ، وتلك الرياح الخفيفة التي تعبث بملابسه وأطراف شعره أبعدته عن الواقع فكأنه يعيش في حلم بعيد ، تحرك واعتدل في جلسة ثابتة ليحرر يديه ، رفعهما بجانبه وصدق أنه بالفعل يطير في تلك اللحظة ، شعر وكأنه يلامس السحاب ، ولأول مرة يحس بصفع الهواء البارد على وجهه ، لم يرد الاستيقاظ من هذا الحلم السرمدي أبدا ، وأراد لو يمضي كل حياته هنا .
عاد للواقع على أصوات صراخ الأطفال وأولهم طفل لم يتكلم قبلا فله شخصية تابعة أكثر من قيادية ، ببشرة سمراء وعيون بندقية كان يدعى وليد ولم يكن ينافسه على الزعامة مثلما يفعل يحيى و أحمد : يا زعيم .. ماذا تفعل حتى الآن ؟ .
-: يالكم من عصابة مزعجة ألا يستطيع الرجل أن يرتاح قليلا من ثرثرتكم ؟ حسنا ، حسنا سأنزل .
والتقط الطائرة ورماها في الهواء لتسقط بين يدي أحمد ، بينما استدار هو ببطء وبإرشاد دقيق من يحيى وصل الأرض بخير ، أخذ نفسا عميقا وضرب كفه بأكف مجموعته كتحية لانتصاره : يبدو أنني سأضل الزعيم يا أحمد .
-: لا تفرح كثيرا ، سأنازلك مرة أخرى وأفوز عليك .
ضحك ليردف : أتمنى أن يكون حظك أفضل من المرات السابقة يا صديقي .
وتابعوا لعبتهم ببهجة .


.... ××× ....




يـ ... تبع ×

white dream
01-09-2012, 22:15
انتهى لقاء الأصدقاء بأذان المغرب وبعد أن صلوا جميعا في مسجد القرية عاد كل منهم إلى منزله ، ليرجع طـه منهكا في نهاية يوم سعيد لبيته هو الأخر ، والده وأخوه لم يعودا بعد ، أمه كانت تهتم بشيء ما في المطبخ ، ونرجس في غرفتها تقرأ كتابا ما كالعادة .
دخل إليها ووضع الطائرة عند الباب : عدتِ للقراءة ؟ ألا تملين ؟ .
لم تجبه لذلك قفز بجانبها على السرير : ألن تنتبهِ لي ؟ .
-: لا .. .
أردف بنبرة غرور : يجب أن تكوني سعيدة لأني أتحدث معك .
أغلقت الكتاب ووضعته بعيدا : المشكلة ليست انك تتكلم ، المشكلة في جعلك تسكت ! .
-: كنت أريد أن أخبرك بشيء مهم .
نبرته الجادة أثارت فضولها : ما الأمر ؟ .
اعتدل في جلسته فوق السرير وابتسامة رائعة شقت مكانا له على وجهه ، تنبئ عن سعادة بالغة يرقص على وقعها قلبه : لقد علقت الطائرة في تلك الصنوبرة الكبيرة على الحد الفاصل بين أرضنا و أرض العم بشير ، وتسلقتها لأنزل الطائرة .
قفزت نرجس جالسة : ماذا ؟ كيف فعلت ذلك ، يا أحمق ماذا لو وقعت ومِت ؟! .
-: حسنا أنا لم أمت ، وليس هذا ما أريد أن أخبرك به .
-: ماذا إذا ؟

ابتسم بتأمل وهو يجيب بنبرة حررت اللهفة حروفها فخرجت سريعة حادة تفضح ما يختلج في صدره من حبور : عندما كنت في الأعلى أحسست أني حر ، أحسست أني لو فتحت ذراعي سأطير كعصفور أو... أو كطائرة ورقية ! .
صمت لحظة ليتابع بسعادة مضاعفة : عندما أكبر سأدرس لأكون طيارا ! .
التقطت نرجس الكتاب مجددا وهي تدرك أنها على وشك البدء في نفس الحديث عن الأماني والذي يتكرر كل ليلة : جميل ، وماذا عن مشروع صناعة سيارات السباق الذي أخبرتني عنه بالأمس .
-: غيرت رأيي .
تابعت متسائلة : وماذا عن أنك ستكون رئيس أكبر شركات الحاسوب في العالم، أو ستكون أول رائد فضاء يطأ كوكبا مجهولا وينقش اسمه هناك ؟ .
-: لم أعد أريد ذلك .
-: وبشأن قرارك بأن ستصبح قائد غواصة حربية ، أو عالم مستحثات ؟ .
ظهرت الحيرة على طه قليلا : ما معنى مستحثات ؟ قلت أني أريد أن أكون عالم يبحث عن أثار الديناصورات .
-: هذا ما تعنيه مستحثات ! .
صرخ بها متجاهلا إجابتها : نرجس !! لماذا لا تفهمين ، كان كل ذلك سابقا ، لقد صعدت لمكان مرتفع جدا اليوم ، وأحببت السماء كثيرا ولم أعد أريد إن أكون على الأرض ! ، كل هذه الأعمال على الأرض ويقول لك شخص معين في كل مرة أفعل هذا ولا تفعل ذاك .
تابع بحماسة : أريد أن أفعل شيئا من دون أوامر ، الجميع يتحكمون في الأرض ، فهذه الأرض لنا وتلك للعم بشير ، وبعدها أرض عمي مصطفى والد مهند ... وهكذا ، لكن لا أحد يملك السماء ! ، سأقود طائرة من بلد لأخر ولن يقول لي أحد ماذا تفعل هنا .
ورغم الابتسامة الظاهرة على وجهها بسبب أقوال أخيها الصغير وأحلامه التي تنافس السماء في سعتها ، أحبت أن ترى ردة فعله لذلك قالت: وإن دخلت حدود دولة ما من دون إذن أسقطتك طائرات الجيش ، جميل ! .
وقف غاضبا وقطب حاجبيه : أنت تعرفين كيف تفسدين كل أحلامي ، الحق معي لأني أخاطبك من الأساس ! .
ضحكت لحظة لتردف : آسفة ، تابع لن أتكلم مجددا .
-: حسنا أخذ الإذن ليس مشكلة ، ثم شركة الطيران ستهتم بذلك وأنا أقود الطائرة فقط .
-: حسنا هذه فكرة جميلة ، ولكن أنت محتاج لأن تدرس بجد لتحققها .
ابتسم بسعادة : سأفعل ، وربما لن يكفيني أن أكون طيارا فقط ، أريد أن أصنع طائرة بنفسي لأقودها .
فتحت نرجس الكتاب وأخذت تتابع قراءتها ولكنها لم تستطع منع نفسها من الاستماع لأفكار أخيها الواسعة فأردف : ماذا يجب أن أكون لأفعل ذلك .
-: مهندس طائرات !! .
صمت بضع ثوان وكأنه يخطط لكل مستقبله خلالها : حسنا ، سأكون طيار ومهندس طائرات معا ، وسأصنع طائرة على شكل صقر ، لأنه أقوى الطيور صحيح ؟ .
-: ربما ، لست أعلم .
أغلقت الكتاب وأردفت بنبرة عالية : ستصيبني بالصداع طـه ، هذا الحديث يتكرر بيننا كل ليلة ، كلما فعلت شيئا جديدا برفقة جماعة المجانين خاصتك استهوتك الفكرة حتى الصميم ... كل هذا لأنك صعدت الصنوبرة ؟! هل إذا نزلت في البئر غدا ستريد أن تكون حفار أنفاق ؟ .
زم شفتيه بغضب : لا ، لقد اتخذت قراري ولن أتراجع عنه سأكون طيار ومهندس طائرات ، ثم جماعة المجانين أولائك هم أصدقائي ولا اسمح لك بالتطاول عليهم ، لن أكون رجلا إذا سمحت لك بذلك .
-: جميل ! .
صمت قليلا يفكر في شيء ثم أعاد الكلام : هل تعطينني كل كتبك لأقرأها ؟ .
زفرت بملل فكما يبدو أن للحديث تتمة يرفض هو أن يخرج قبل أن ينهيها : ألن تتوقف عن الثرثرة ؟.
- : أجيبِ نرجس ، هل ستعطينني إياها ؟ .
-: لن تفيدك في شيء صدقني .
-: وماذا أقرأ إذا .
-: أنت فقط اهتم بدروسك الآن وعندما تكبر ستعرف ماذا تقرأ .

ابتسم وكأن الفكرة أعجبته أو ربما يتخيل نفسه طيار كبير ببذلة بيضاء وقبعة دائرية بحافة عريضة ، ولكنه أخيرا كسر صمته بأن قال بضحكة : نرجس ! أنت تدرسين لتكوني طبيبة ، وأنا لأكون طيار ومهندس طائرات ، ونترك شذى لأحلامها الصغيرة بأن تكون معلمة رسم ! .
حاولت نرجس جاهدة كتم ضحكتها لنبرته الساخرة من طموح شذى الصغيرة وأردفت معاتبة : أترك شذى في حالها واهتم بنفسك فقط ، وقبل ذلك إنها الثامنة الآن ، متى تنوي يا عزيزي الطيار أن تدرس لاختبار الرياضيات في الغد ؟! .
قفز من مكانه في هلع : أوه ، لقد نسيت أن غدا مدرسة ، نرجس أرجوك ساعديني الرياضيات صعبة .
-: هل تعلم يا عبقري أن الهندسة تعتمد على الرياضيات ! هل تذكر يوم اشتعلت النيران في المخزن وساعدت وعصابتك في نقل دِلاءْ الماء لإخماد الحريق ؟ يومها سببت لي صداعا حادا وأنت تخبرني بأنك تود أن تصبح رجل إطفاء ، أرى أن تهتم بتحقيق ذلك الحلم وتترك الهندسة وشأنها .
أجاب بنبرة تدل على أن كرامته جرحت : كنت أمزح معك فقط ! ليس هناك أي شيء صعب على الزعيم الطيار طـه .
ضحكت طويلا : الزعيم الطيار!! ، حسنا سوف نرى
مشى بخطوات متفاخرة إلى الباب : سأدرس حتى الصباح ، وسأحصل على الدرجة الكاملة غدا ، وسأثبت لك أنه لا شيء صعب علي ، ولكن عندما أصبح طيارا وأصنع طائرة لن اسمح لك بركوبها أبدا .

ضحكت بصمت على اعتزازه بنفسه ، وغادر الطفل ذو الأحلام الكبيرة ، وكان أخر ما سمعته منه تلك الليلة هو صفعه لباب غرفته ، ولكن من يدري قد يُحَقِقْ حُلْمَهُ في النهاية ، وإن حدث يوما ورفعتم أعينكم إلى السماء فرأيتم طائرة غريبة الشكل تحلق في دوائر أو تهبط وترتفع بجنون ، ووصل إلى آذانكم صدى صرخات سعيدة ، فاعلموا أن الزعيم طه – الذي لن يتخلى عن جنونه – هو طيارها ! .


تـــمــــت ..^^


في الحقيقة معظم هذه الخربشة ليست من وحي الخيال ! فأحيانا أخذ دور نرجس في الإستماع لهلوسات طَـهَ ( الاسم الوحيد الذي لم أشأ تغيره عن الحقيقة ^^ لكل الجنون الكامن فيه ! ) ، وكانت هذه احد المغامرات التي فُرض علي المشاركة فيها :( :( :( !!

Aisha-Mizuhara
01-09-2012, 22:19
قصة قصيرة جديدة لوايت!:barbershop_quartet_<واحد يفكر بصوت عالي xD

مكان حتى حين :أوو:

سوريا حرّة
02-09-2012, 01:30
ليجدْ لي أحدٌ شجرة صنوبرٍ أتسَلّقها ...
ليجدْ لي أحدٌ ... حلماً أتشيث به .

ماذا أقول يا وايت ؟ رغم انها قصة مليونية التطرقِ للضحكات غير أنني و لسبب ما أجهل معظمه أدمعت عيناي ليته لي ذاك الطفل الذي لا يتوقف عن الحلم , ربما قد كنته ذات يوم لكن ضيق الحياة خنقه و اختزله في صورة مشوشة باهتة بداخلي ...
أبكاني طه و لكم وددتُ أنّي لم أتابع , لا لسوءٍ في القصة بل لضيق في داخلي ذكرتني به ..
طه ... أريد أن استمع لك مطولاً , أريد التحديق في عينيك النجلاوين و من ورائهما التحديق في سعة السماء ...

لا أدري ما الذي يعنيه رجفان يديّ الآن , غير أن القصة نقرت نخاع قلبي و آلمتني بشكل حبيب ....

عذراً على الرّد غير المنسق , و لي رجعة بعد قِطَعٍ من الزمن حينما أعاود التحكّم بأفكاري ...
شكراً وايت ... شكراً بحق و شكراً لطه أيضاً

سوريا حرّة
04-09-2012, 15:00
في الحقيقة لكم وددتُ أن أقتبس كلَّ جملة يا وايت , كلُّها رائعة , كلّها رقيقة .
للصدق أنا أفضل هذا النوع من القصص , فالقصص التي تعجّ بالتشبيهات و المفردات و التلوينات الأدبية و تغرق فيها , في الحقيقة لا تستهويني كثيراً و أشعر أنها كارتداء قطعٍ كثيرة الألوان و التخطيطات و النقوش تتعب العين و تشعر بعدم الارتياح , احبها بميزان و حكمة و معرفة لوضع كلِّ مفردة في مكانها لتغدو أشبه بتوشيحة متناسقة الألوان تبهج النفس , و هذا ما وجته لديكِ .

أسلوبك منذ بدايته لنهايته شدّني أيّما شدّ , و أعجبني كثير الإعجاب , فالصور قوية بغيرما الحاجة للخلطِ و العجن في العبارات و ليّها و بهرجتها الزائدة , أحببتُ ذلك كثيراً .
القصة من بدايتها ناعمة ... ناعمة و تسيرُ في منحىً سلس و كأنني أشاهد " عهد الأصدقاء " رائعٌ التسلسل فيها , و رائعٌ دَفَقُ الإحداث , بالتأكيد هو أقربُ لأدب الأطفال , لكن أدب الأطفال الرفيع الذي لا يستطيعه أيُّ أحد كسلسلة " و للطيور أظافر " , كتابٌ قديم قرأته في بدايات قراءتي ( بعد المكتبة الخضراء ! ) كان من أشد الكتب إلهاماً لما فيه من قوة لَغَوية بسيطة و لطيفة , فعلاً ذكرتني به .

برأيَّ أن القصة مكتملة العناصر لولا أن ذروة التأزّم كانت قصيرة , لكن لا بأس فقد عوّضتي عنها بالوصول لهدف واضح للقصة .
" وراء كلّ شخصٍ عظيم ... شخصٌ آخر عظيم . "
فنرجس التي تستمع لمناكفات طه و تستوعب عقليته الحرّة المنعتقة أثارت إعجابي حقاً .
في القصّة قيمٌ جميلة , الصداقة , علاقة الأخوين ببعضهما االبعض , روح الحلم التي لا تخمد , الجرأة و الشجاعة و الرجولة , و كثيرٌ غيرها من التي كادت أن تتلاشى في أجيال " البلايستيشن " !

أممم ما الذي أردت قوله أيضاً ؟
لم أكن في يومٍ من الأيام أنَّ اللغة البسيطة المرنة قد تضعف الحسّ الإبداعيَّ في النص , و ها هي قصتكِ دليلٌ آخر على ذلك .
أشكر لك سويعات الإمتاع التي حظيتُ بها بين أكنافِ قصتكِ , و المزيدَ المزيدَ أنتظر .

دمتِ بإبداع عزيزتي وايت .

white dream
04-09-2012, 20:10
قصة قصيرة جديدة لوايت!:barbershop_quartet_<واحد يفكر بصوت عالي xD

مكان حتى حين :أوو:


هههه تقصدين خربشة جديدة ^^
في انتظارك بشوق ^^

white dream
04-09-2012, 20:52
في الحقيقة لكم وددتُ أن أقتبس كلَّ جملة يا وايت , كلُّها رائعة , كلّها رقيقة .
للصدق أنا أفضل هذا النوع من القصص , فالقصص التي تعجّ بالتشبيهات و المفردات و التلوينات الأدبية و تغرق فيها , في الحقيقة لا تستهويني كثيراً و أشعر أنها كارتداء قطعٍ كثيرة الألوان و التخطيطات و النقوش تتعب العين و تشعر بعدم الارتياح , احبها بميزان و حكمة و معرفة لوضع كلِّ مفردة في مكانها لتغدو أشبه بتوشيحة متناسقة الألوان تبهج النفس , و هذا ما وجته لديكِ .

أسلوبك منذ بدايته لنهايته شدّني أيّما شدّ , و أعجبني كثير الإعجاب , فالصور قوية بغيرما الحاجة للخلطِ و العجن في العبارات و ليّها و بهرجتها الزائدة , أحببتُ ذلك كثيراً .
القصة من بدايتها ناعمة ... ناعمة و تسيرُ في منحىً سلس و كأنني أشاهد " عهد الأصدقاء " رائعٌ التسلسل فيها , و رائعٌ دَفَقُ الإحداث , بالتأكيد هو أقربُ لأدب الأطفال , لكن أدب الأطفال الرفيع الذي لا يستطيعه أيُّ أحد كسلسلة " و للطيور أظافر " , كتابٌ قديم قرأته في بدايات قراءتي ( بعد المكتبة الخضراء ! ) كان من أشد الكتب إلهاماً لما فيه من قوة لَغَوية بسيطة و لطيفة , فعلاً ذكرتني به .

برأيَّ أن القصة مكتملة العناصر لولا أن ذروة التأزّم كانت قصيرة , لكن لا بأس فقد عوّضتي عنها بالوصول لهدف واضح للقصة .
" وراء كلّ شخصٍ عظيم ... شخصٌ آخر عظيم . "
فنرجس التي تستمع لمناكفات طه و تستوعب عقليته الحرّة المنعتقة أثارت إعجابي حقاً .
في القصّة قيمٌ جميلة , الصداقة , علاقة الأخوين ببعضهما االبعض , روح الحلم التي لا تخمد , الجرأة و الشجاعة و الرجولة , و كثيرٌ غيرها من التي كادت أن تتلاشى في أجيال " البلايستيشن " !

أممم ما الذي أردت قوله أيضاً ؟
لم أكن في يومٍ من الأيام أنَّ اللغة البسيطة المرنة قد تضعف الحسّ الإبداعيَّ في النص , و ها هي قصتكِ دليلٌ آخر على ذلك .
أشكر لك سويعات الإمتاع التي حظيتُ بها بين أكنافِ قصتكِ , و المزيدَ المزيدَ أنتظر .

دمتِ بإبداع عزيزتي وايت .




أهلا عزيزتي أسماء .. كيف حالك ؟
بخير وصحة إن شاء الله ^^
..
شكرا لردك الرائع عزيزتي ... سعيدة أن قصتي الطفولية راقت لك ...
ان تعجبك خربشاتي لهو شيء يدعوني للفخر والحبور ..
احببت كل كلمة في كلا تعليقيك ، وقرأته مرارا ، انك حقا تمنحينني الشعور بأن فعلت شيئا كبيرا ^^
أنت مبدعة في كتاباتك وشرف لي أن تروقك قصتي ^^
..
شكرا بحجم السماء ^^
بحجم أحلام طَــهَ لردك الرائع ^^

سلامي وحبي ~

سوريا حرّة
04-09-2012, 21:48
أهلا عزيزتي أسماء .. كيف حالك ؟
بخير وصحة إن شاء الله ^^
..
شكرا لردك الرائع عزيزتي ... سعيدة أن قصتي الطفولية راقت لك ...
ان تعجبك خربشاتي لهو شيء يدعوني للفخر والحبور ..
احببت كل كلمة في كلا تعليقيك ، وقرأته مرارا ، انك حقا تمنحينني الشعور بأن فعلت شيئا كبيرا ^^
أنت مبدعة في كتاباتك وشرف لي أن تروقك قصتي ^^
..
شكرا بحجم السماء ^^
بحجم أحلام طَــهَ لردك الرائع ^^
سلامي وحبي ~

على العكس عزيزتي وايت , ليتني استطعتُ أو أستطيع قول كلّ ما اجتاحني و أنا أطالع أحرفكِ الرقيقة .
الشكرُ أنتِ من تستحقينه بجدارة .
أنتِ في الحقيقة فعلتِ شيئاً و شيئاً كبيراً و رائعاً و أنا دائماً أؤمن أنَّ ما يخرجُ من القلب يصل للقلب , و ما يخرج من طرف اللّسان لا يجاوز الأذن , و أنتِ في حكايتكِ اللّطيفة اخترقتِ القلب و أخذتهِ لسنواتٍ سحيقة في العمق , حيثُ القلبُ لا يزال طليقاً من أغلال الحياة و شكلياتها .
لا أجد ما أقوله لكن ... شكراً و بحق أثريتي ذاكرتي .

كورابيكا-كاروتا
05-09-2012, 09:03
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف الحال اختي العزيزة ؟؟

القصة رائعة فعلا
اختيار كلماتك كان أخاذا و الحوار كان رائعا بالفعل
استطعتي ايصال احلام طفل بطريقة رائعة بعيدا عن التصنع والمبالغة
ما شاء الله عليك
مبدعة

احببت النهاية المفتوحة
فلا اعتقد ان احدا كان من الممكن ان ينهي قصة كهذه بطريقة افضل من طريقتك
ما شاء الله عليك

اتحفينا بابداعاتك دائما عزيزتي

دمتي بحفظ الرحمن

Śummєя
12-09-2012, 16:00
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ^^
كيف الحال غاليتي ؟ إن شاء الله بخير

جميل جميل جميل .. احببت القصة بشدة :أوو:
اسلوبها والحوار وكذلك طريقة ايصالك لأحلام طه كلها رائعة الصراحة
بل واكثر ما احببته هو ثقة ذلك الفتى بنفسه .. واصحابه اؤلئك ... :أوو:

احممم فهمت ان طه هو في الحقيقة مقتبس عن .. شقيقك الصغير ؟؟ :موسوس:
إذا كان الامر كهذا فحفظه الله لك :أوو:

وكما ان القصة قد ابعدت عنك الملل والضيق بكتابتها فأنا ايضا ابعدت عني الملل والضيق بقرأها ::سعادة::
سلمت يمناك وايت وإن شاء الله دائما مبدعة ^^

دمت بحفظ الرحمن