PDA المساعد الشخصي الرقمي

عرض كامل الموضوع : مِليـون , "قلاع شيّدتها الأقلام"



إكليل الغار
04-08-2012, 16:59
http://www.mexat.com/vb/attachment.php?attachmentid=1725228&d=1344098636


في أم القُرى تمتزج الأجناس فهذا شرقي وذاك غربي و آخر من الجنوب أو الشمال ولا عُجاب فالبُقعة ترنو إليها الأفئدة وتقصدها الجوارح لأداء الفرائض ومن ثَمَ يُغادرها الميسور لأهله ، ويتخلّف ضِعف عدده من أهل الصنعة طالبين لُقمة العيش الكريمة ولو كان الثمن الخوف الدائم والترّقب لأي مباغتة أو مداهمة تُعيدهم جبرًا لبلادهم نتيجة مخالفتهم لأنظمة الإقامة .
حالتهم النفسية والمادية مُتشابهه ، ولعلّي ألمح شتى ملامح تلك المشاعر ترتسم على تفاصيل حنايا عاملتنا المنزلية ذات الجنسية الصومالية .
لا زلتُ أحتفظ بطيف ذكراها وهي تلج باب منزلنا وتُسلّم علينا بابتسامة لطيفة مُتثاقلة من أثر ثٍقل الحقيبة التي تحملها، ثُم تُعرّف باسمها قائلة بضحكة تسخر من حالها "أدعى مليون"
فبادلتها بسمتها ببسمة مُشجعة و أنا أُعقب داعية "عسى أن تناليه في الدنيا نقودًا و عند الله ثوابًا"
لكم أشفقت لحالها ، فهي يوم ذاك كانت بُرعمًا لم يُزهر بعد لكنّ قلة ذات اليد أفحمتها و اضطرتها للخدمة في حين أني وأنا بذات عُمرها أتذّمر من كثرة المواد الدراسية ورمضاءنا المُشتعلة.
مرّت الأيام تليها الأسابيع فالسنون ، وهي ماثلة عندنا تأنس بنا ونأنس بها ، فأصبحتُ و إياها نأكل سويًا وننام سويًا حتى غدت أختي وصديقتي ، أو هكذا غلبني الظن .

إلى أن أطلّ علينا يوم أغبر ، اشتدت حرارة شمسه من خلف ذرات الرمال المتطايرة ، ودونما وعي مني عن مُعترك الجو في الخارج اتصلت بها أُخبرها بألا تنسى العودة من إجازتها الشهرية قبل غروب الشمس !
حتى إذا ما تعانقت عقارب الساعة تُشير للسادسة مساءًا رنّ جرس الباب فركضت إليه والبِشر يعلو وجهي ، أخيرًا جاء الفرج وعادت لتُخلصني من كم الأعباء المنزلية التي أوكلت إلي في غيابها !
فتحت الباب فإذا بالرمال الحارقة تصفع وجهي و تهرع لعيني بدون استئذان ولا سابق إنذار فصرختُ متألمة وألقيت بنفسي إزاء الباب أتلوى وجعًا ، عندها شعرت بيدها على ذراعي
تشُد من أزري وتساعدني على الوقوف ، وكما الكفيفة انسقت معها أتحسس الدنيا بيد و أتشبث بها بالأخرى حتى أسندت ظهري على مرتبة في غرفة المعيشة
وتركتني للحظات مع كلمات مهدئة حتى عادت مع غسول العين الخاص بوالدي وماء بارد أغسل به وجهي .
عالجتني كممرضة حنون حتى زال الألم تمامًا و أبصرتُ مجددًا ، فهالني احمرار عينيها ، وعلى الرُغم من تخميني للجواب استفهمتُ بغباء بدلا من سوق الاعتذار "مالذي أصاب عينيك ؟" فقالت بضعف "الغبار في الخارج كثيف ، ولأنه دخل في عينيّ في أثناء صعودي للسيارة متجهة إليكم لم أستطع معالجتهما و اكتفيت بعدة رمشات وفركات وهكذا صار الأمر".
ثُم استدركت لتطمئنني وهي تهُز كتفيها في إشارة لبساطة الوضع "ستخف بعد غسلها بالماء البارد لا تقلقي"
"آسفة لم أخرج اليوم لذلك لم أعلم بحالة الجو" انساقت الكلمات من بين شفتيّ بدون مشاعر ، بدون صدق ، بدون حياء !
فجُل ما أردته هو تبرئة نفسي من ذنب جرّها للخروج في هذا الظرف وكفى .
عندما رأيت ابتسامتها التي قصدت بها "الذنب ليس ذنبك" أدرت وجهي ناحية التلفاز وشكرتُ الله حق شُكره على شفائي باستغلالي نعمته في متابعة الفلم أمامي !
انصرفت عني لبعض أعمالها عندما رأت الحديث انتهى بيننا ، وقضت فترة طويلة تنتقل بين جنبات المنزل حتى إذا ما فرغت من مهامها أقبلت نحوي على مُحياها ابتسامة مُترددة
وأنا على الحال الذي تركتني عليه ، فطلبَتْ بأدب خجول "هلّا وضعت محطة كذا ، أود مشاهدة ماهي آخر أخبار الحرب في الصومال"
فأجبتها بتذمرّ و أنا أكتب بجهاز التحكم رقم القناة "وكأن الوضع سيتغير فيه شيء عن الأمس يا مليون الأخبار تختلف أساليبها لكن الحالة هي نفسها"
ولم تُعلّق !
فقط ابتسمت بعتاب و شاهدت لعدة دقائق كُنت خلالها أطرقُ الأرض بقدمي مُتذمرة وعندما أحست بانزعاجي انصرفت وهي شاكرة .

بعد أن وصل صراع الحرب إلى المنطقة التي يستوطنها أهلها قضت فترة تعيش مع صراع داخلي في نفسها، تارة قلقة على أهلها هناك ، تارة تتفائل
وتارة أخرى تستسلم للهواجس والتخيلات المشئومة فتنهار باكية .
هواجسها تتسلل إليها حتى في أحلامها ، فأجدني أصحو على شهقات دموعها في الغرفة الظلماء , ولعلي أصبر و أواسيها حينًا و يظهر طبعي السيء عند النوم في حين آخر ، فأزفر زفرات حانقة وغاضبة تستجيب لها مسرعة لتغادر الغرفة بهدوء وتدعني أغرق في سباتي .

صحيح أن الرقّة على حالها في بادئ الأمر كانت تكتسح جميع أهل البيت ، لكنّ المواساة لم تستمر أكثر من بضعة أيام ثم انصرف كلّ منا إلى ملاهيه .

شهر مر ثُم شهران وحالها يسوء مع تقدّم الوقت ، حتى بدأ عملها يظهر فيه القصور الشديد ولم يعد حالها مرضيًا بالنسبة لأهل بيتنا
فتعرّضت للتوبيخ الذي بدأ في أول أمره على صورة تذكير حسن ثم مالبث أن تحول إلى صراخ أختي عليها وتهديد بخصم المرتب عندما شردت بتفكيرها وهي تمسح الزُهريات فأوقعت واحدة اشترتها والدتي بثمن باهظ فشطرتها نصفين .
كان ينتابني إحساس داخلي يحكي بأن الأمر لن يقف عند هذا الحد ، ولقد صدَق !


أتى علينا أسبوع أحسنت فيه صُنعًا فلم تُخلّف عثرة من ورائها ، ولا أزعجت بمخاوفها آذاننا ، حتى قُلنا أهلا بالسلام والوئام مُجددًا .
وفجأة انقطع ذلك الحبل الهادئ و تهادت إلينا صرخاتها من المطبخ فأسرعنا إليها لنجدها منهارة على نفسها ، تبكي وتلطم تقف وتدور حول نفسها وهي تصرخ " يا الله ، يا الله "
ثم تعود وتُلقي بجسدها الضعيف على الأرض .
قبل السؤال أتانا الجواب ، من منظرها قبل لسانها ، قد قُتل والديها واثنين من إخوتها في الحرب هناك .
أوصلت إلينا الخبر ثُم انكبت علي تُعانقني ، ربما لأنها تراني أختها وصديقتها التي عاشت معها طوال تلك السنوات ، وظنّت بي خير من يفهمها و من تجد السلوان عنده .
لم أستطع استيعاب ما ألم بها تمامًا ، وأخذتني شيء من الدهشة حتى كدتُ أن أنطق بكلماتٍ أحدّ من وقع الحُسام "أفلم تكوني متوقعة لذاك"
لربما وجدت في عناقي الجفاء والبرودة ، كعناق طفل ضائع لشجرة جدباء ولعلّها من أجل ذاك لم تُطل فيه ، وقررت الانزواء لركن وحيد يتفهم جُرحها أكثر مني
لتنتحب فيه بصوت منخفض حزين حتى بدا لي أنها تعصر نفسها فأشفقت عليها بعد أن تذكرّت غُربتها ووحدتها وبُعدها وحِرمانها من وداع أهلها الأخير
فأقبلتُ أواسيها و أداريها فاستجابت لي و أخذت تسرد بعض ذكرياتها عن أهلها و إن كان صوتها يختنق بدموعها فلا أفهم منه إلا القليل
إلا أنني اكتفيت بالاستماع لها و تذكيرها بفضل الشهادة بين حين و آخر ، حتى استكانت بعض الشيء واستجمعت شتات نفسها ونهضت مُنصرفة عني إلى أعمالها بعد ساعة حديث.
عندما رأيتها تغسل آنية الطبخ ودمعها يخالط الماء هممت بمنعها وحثها على ترك العمل لي ، لكنّ والدتي منعتني وهي تقول : "طالما عمدت لذلك بنفسها فدعيها ، فإنها تجد في الأمر ذريعة تشغلها عن أن يقتلها التفكير"
وتلبية لرغبة أحسسناها ولم تُصرّح هي بها ، تركناها في المطبخ وحيدة حتى حل عليها المساء .
كُنت في أثناء ذلك قد تلقيتُ مكالمة من إحدى قريباتي تدعوني لتجمّع عائلي في منزلهم ، فذهبت أتجهز و أُعدّ ثيابي التي سأرتديها .
حملتُ قطعتي اللباس في يدي و أدخلتُ رأسي إلى المطبخ فوجدتها تجلس بوجوم والصمت حولها يبدو كغلاف أسود فبادرتها قائلة بتردد "مليون أيمكنك كيّ ثيابي ؟!"

نظرت إليّ والدتي بعد أن ناولتها ثيابي وخرجتُ من المطبخ بعتاب شديد ، وهزت رأسها أسفًا وهي تقول "لعمري يا ابنة رحمي إنك لفارغة !"







http://www.mexat.com/vb/attachment.php?attachmentid=1725332&stc=1&d=1344103276

.

orrora
05-08-2012, 21:10
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أختى لورينا..

لشد ما أثرت فىّ كلماتك...

فأنا أرى فيها واقعاً معاشاً فى شتى أنحاء وطننا العربى...

وللأسف الشديد،، فقد صار الكل كما قلتى فى شغل شاغل بملاهيه، يراها الأصعب، ولا ينظر لحال غيره فيحمد رب السماء...

لقد أبدعت كما العادة أختى الفاضلة..

تمنياتى لك ولفريقك بالفوز..

دمت فى حفظ الرحمن..